إعادة التموضع العملياتي للجماعات المسلحة في شمال موزمبيق

  • Home
  • إعادة التموضع العملياتي للجماعات المسلحة في شمال موزمبيق
Cass Banener Image
إعادة التموضع العملياتي للجماعات المسلحة في شمال موزمبيق

إعادة التموضع العملياتي للجماعات المسلحة في شمال موزمبيق

يشهد إقليم كابو ديلغادو، شمال موزمبيق، حالة من الهدوء النسبي الهشّ بعد سنوات من التصعيد الحادّ المرتبط بنشاط الجماعات الجهادية، وعلى رأسها الفرع المحلي المرتبط بتنظيم داعش. إلا أن هذا الهدوء لا يعكس استقراراً فعلياً بقدر ما يعبر عن تحوُّل في طبيعة التهديد من السيطرة المكانية إلى حرب استنزاف مرنة.

من الناحية الميدانية، تشير المعطيات إلى تراجُع قدرة الجماعات المسلحة على الاحتفاظ بالمناطق الحضرية الرئيسية، خاصة منذ تدخُّل القوات الرواندية وقوات مجموعة التنمية للجنوب الإفريقي.

وقد أسهم هذا التدخل في استعادة مراكز إستراتيجية وتأمين نسبي لمشاريع الطاقة، لا سيما منشآت الغاز في منطقة بالما.

غير أن الجماعات المسلحة أعادت تموضعها في المناطق الريفية والغابات الكثيفة، معتمدة على تكتيكات الكرّ والفرّ، والهجمات الخاطفة ضدّ القرى النائية وخطوط الإمداد.

هذا التحول يعكس قدرة هذه الجماعات على التكيف العملياتي، حيث انتقلت من نمط "التمرد شِبه التقليدي" إلى "حرب عصابات منخفضة الكثافة"، مستفيدةً من عدة عوامل، أبرزها هشاشة البِنْية الأمنية المحلية، وضعف التنسيق الاستخباري، وصعوبة الجغرافيا. كما أن استمرار الفقر والتهميش في الإقليم يوفر بيئة حاضنة للتجنيد، خصوصاً في أوساط الشباب.

في المقابل، تعتمد الحكومة الموزمبيقية بشكل متزايد على الدعم الخارجي، ما يطرح إشكالية الاستدامة. فالقوات الرواندية تؤدي دوراً محورياً في العمليات الميدانية، بينما توفر قوات مجموعة التنمية للجنوب الإفريقي غطاءً إقليمياً.

إلا أن هذا الاعتماد يخلق وضعاً أمنياً “مستورداً”، قد يتعرض للاهتزاز في حال حدوث أي انسحاب أو تقليص للدعم، سواء لأسباب سياسية أم مالية.

اقتصادياً، لا تزال مشاريع الغاز الطبيعي تمثل محوراً مركزياً في حسابات الأمن والاستقرار. إذ ترتبط عودة الشركات الدولية، وعلى رأسها شركة TotalEnergies، بمدى قدرة الحكومة على ضمان بيئة آمنة طويلة الأمد. ورغم التحسن النسبي، فإن استمرار الهجمات المتقطعة يبعث برسائل سلبية للمستثمرين، ويؤخر استئناف المشاريع الكبرى بشكل كامل.

على المستوى الإنساني، لا تزال الأزمة قائمة، حيث يواجه مئات الآلاف من النازحين أوضاعاً معيشية صعبة، مع محدودية في الخدمات الأساسية. ويشكل هذا العامل ضغطاً إضافياً على السلطات، ويزيد من أخطار إعادة إنتاج العنف، في ظل غياب حلول تنموية شاملة.

إقليمياً، يبدو أن التهديد في كابو ديلغادو لم يَعُدْ محصوراً داخل حدود موزمبيق، بل يتقاطع مع شبكات أوسع في شرق إفريقيا، خاصة في تنزانيا. هذا البُعد العابر للحدود يعقّد المشهد، ويستدعي تنسيقاً أمنياً أعمق، لا يزال دون المستوى المطلوب.

في المحصِّلة، يمكن توصيف الوضع الحالي بأنه “استقرار تكتيكي مقابل هشاشة إستراتيجية”. فقد نجحت العمليات العسكرية في تقليص مساحة سيطرة الجماعات المسلحة، لكنها لم تعالج جذور الأزمة، سواء الأمنية أم الاقتصادية أم الاجتماعية.

ومن المرجَّح استمرار الوضع الحالي دون تحوُّلات جذرية، مع تسجيل هجمات متفرقة تستهدف القرى والبنى التحتية الثانوية. كما يُتوقع أن تركز الحكومة على تأمين مناطق المشاريع الاقتصادية الحيوية، حتى وإنْ جاء ذلك على حساب الأطراف الريفية. ويبقى السيناريو الأكثر خطورةً مرتبطاً بإمكانية تراجُع الدعم الخارجي، ما قد يفتح المجالَ أمام عودة التصعيد.

وبالمجمل، فإن إقليم كابو ديلغادو لم يخرج من دائرة الصراع، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يصعب الحسم العسكري، وتزداد أهمية المقاربة الشاملة التي تجمع بين الأمن والتنمية والحكم المحلي.

 



Related posts
The Iran War’s Impact on Africa
Troubled Gulf of Guinea Becomes Hotspot in Global Rivalries