دخل الصراع في إقليم أمهرة، ثاني أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان، مرحلة "الاستعصاء الميداني" خلال الربع الأول من عام 2026، فبعد قُرابة ثلاث سنوات من التمرد المسلح الذي أعقب قرار حلّ القوات الإقليمية في إبريل 2023، لم تنجح القوات الفيدرالية في حسم المعركة عسكرياً، كما لم تتمكن ميليشيا "فانو" من تحويل سيطرتها في الأرياف إلى سلطة سياسية بديلة ومستقرة.
وتسيطر ميليشيا "فانو" حالياً على أجزاء واسعة من المناطق الريفية في زون "غوجام" و"غوندر" و"وولو"، بينما يحتفظ الجيش الفيدرالي بالسيطرة على مراكز المدن الكبرى (بحر دار، غوندر، دبر برهان) والطرق الإستراتيجية، مع تعرُّضها لهجمات "كرّ وفرّ" مستمرة.
وقد انتقل الجيش الإثيوبي إلى الاعتماد المكثَّف على الطائرات المسيَّرة لتعويض النقص في القوات البرية المنهكة، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتعميق الفجوة بين السلطة المركزية والمكوِّن الأمهري.
وشهدت الأشهُر الأخيرة من عام 2025 وبداية يناير 2026 محاولات محمومة لإنهاء حالة "التشرذم القيادي" التي عانت منها ميليشيا "فانو" منذ نشأتها كحراك شعبي غير مركزي، حيث جرت ثلاث محاولات بارزة للتوحيد؛ الأولى كانت "مبادرة القيادات الميدانية" في غوندر، والثانية "مؤتمر الشتات" الذي انعقد افتراضياً لتوفير غطاء سياسي، والثالثة هي محاولة تشكيل "مجلس شورى أمهرة الموحَّد".
انتهت هذه الجهود إلى إعلان تشكيل "تنسيقية القيادة العُليا لـ فانو"، والتي ضمَّت الفصائل الأربعة الرئيسية في (غوجام، غوندر، وولو، وشوا). وقد نجحت هذه التنسيقية لأول مرة في إصدار "ميثاق سياسي موحَّد" يحدد مطالب الإقليم، وأبرزها إلغاء النظام الفيدرالي العِرْقي الحالي.
ويُعتبر النجاح "جزئياً وميدانياً" أكثر منه "سياسياً شاملاً". فميدانياً، نجحت التنسيقية في تنفيذ هجمات متزامنة في عدة زونات (مناطق) مما أربك حسابات الجيش الفيدرالي. أما سياسياً، فلا تزال هناك فجوة بين "القيادات الشابَّة" في الداخل التي ترفض أيّ تفاوُض، وبين "النخب القديمة" في الخارج التي تبحث عن مخرج سياسي يحفظ مكتسبات الأمهرا.
وتحول الصراع في أمهرة إلى "حرب بالوكالة" مصغَّرة، حيث تتداخل المصالح المحلية مع الطموحات الإقليمية:
محلياً، تحظى ميليشيا "فانو" بدعم شعبي واسع من "قومية الأمهرا" التي ترى في فانو الدرع الوحيد ضد تمدُّد "الأورومو"، كما تتلقى دعماً من بعض الكوادر السابقة في الحزب الحاكم (حزب الازدهار) في إقليم أمهرة، والذين انشقوا أو يتعاطفون سراً مع المطالب القومية.
وتقوم إريتريا بدور الداعم اللوجستي الرئيسي لميليشيا فانو، حيث ترى أسمرة في إضعاف أديس أبابا مصلحة إستراتيجية لمنع أيّ مغامرة إثيوبية تجاه البحر الأحمر. كما تعتمد الميليشيا "فانو" بشكل حيوي على تمويلات "الشتات الأمهري" في الولايات المتحدة وأوروبا، الذين يضخون ملايين الدولارات عَبْر قنوات غير رسمية لشراء الأسلحة والذخائر من السوق السوداء في الساحل والسودان.
وبالمقابل، يحظى الجيش بدعم المكوِّنات السياسية والميليشيات التابعة لـ "قومية الأورومو"، كما يحظى الجيش بدعم من بعض الأقليات داخل إقليم أمهرة التي تخشى من هيمنة "قومية الأمهرا" التاريخية.
السيناريوهات المتوقَّعة
بناءً على قراءة المعطيات الحالية، يُعتقَد أننا أمام ثلاثة سيناريوهات خلال عام 2026:
1) سيناريو "الاستنزاف الممتدّ"
وفي هذا السيناريو يبقى الحال على ما هو عليه (جيوب تمرُّد ريفية مقابل مراكز مدن محصَّنة). ويتعزز هذا السيناريو بعجز الجيش عن الحسم النهائي بسبب التضاريس الوعرة والدعم الشعبي لـ "فانو"، وفشل الميليشيا في دخول المدن الكبرى والبقاء فيها. وهذا هو السيناريو المرجَّح.
2) سيناريو "اتفاق السلام الجزئي"
توقيع اتفاقيات مع فصائل من "فانو" (على غرار بعض التفاهمات الأولية في ديسمبر 2025) مقابل إدماجهم في السلطة المحلية ومنحهم دوراً في تأمين المناطق المتنازَع عليها مع "تيغراي". ويتعزز هذا السيناريو بوجود رغبة لدى بعض القيادات الميدانية في الحصول على شرعية سياسية، وضغوط الوسطاء الدوليين (الاتحاد الإفريقي وإيغاد).
3) سيناريو "التصعيد الشامل والانهيار الجِهَوِيّ"
وفي هذا السيناريو تتسع رقعة القتال لتشمل العاصمة أديس أبابا أو قطع طريق الإمداد الحيوي مع جيبوتي بشكل دائم. ويمكن أن يتعزز هذا السيناريو في حال نجاح "فانو" في التنسيق مع متمردي "جيش تحرير أورومو" لخنق المركز، إلا أن هذا الأمر مستبعَد نتيجة للخلافات الأيديولوجية والعِرْقية العميقة بين الأمهرا والأورومو التي تجعل التحالف بينهما تكتيكياً وهشّاً.




