المسيَّرات تُغيّر قواعد المعركة في السودان

  • الرئيسية
  • المسيَّرات تُغيّر قواعد المعركة في السودان
Cass Banener Image
المسيَّرات تُغيّر قواعد المعركة في السودان

المسيَّرات تُغيّر قواعد المعركة في السودان

شهدت الحرب السودانية منذ اندلاعها في إبريل/ نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تحوُّلاً نوعياً في أدوات القتال، إلا أن عام 2024 مثّل نقطة انعطاف حقيقية مع انتقال الصراع تدريجياً من “حرب مدن تقليدية” تعتمد على المدرعات والمدفعية الثقيلة، إلى حرب مسيَّرات استنزافية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.  

تعكس أنواع المسيَّرات المستخدَمة طبيعة التحالفات الإقليمية غير المعلَنة، فقد استعادت القوات المسلحة السودانية جزءاً من زمام المبادرة في محيط أم درمان والخرطوم عَبْر استخدام مسيَّرات متوسطة الارتفاع وطويلة التحمل، من بينها الطائرة الإيرانية Mohajer-6، إضافة إلى المسيَّرة التركية Bayraktar TB2 التي أثبتت فعاليتها في مسارح قتال متعددة سابقاً.  

تتميّز هذه المنصّات بقدرتها على تنفيذ مهام مزدوجة: الاستطلاع المسلح، وتوجيه الذخائر الدقيقة ضد أهداف متحركة أو ثابتة.  

في المقابل، اعتمدت قوات الدعم السريع على نمط مختلف: مسيّرات تجارية معدَّلة، وأخرى انتحارية خفيفة من فئة FPV، مع تطوير قدرات لإسقاط قذائف صغيرة بدقة نسبية على مواقع تمركز الجيش، خاصة في محيط القواعد الثابتة في دارفور وكردفان.  

هذا التكافؤ غير المتناظر في أدوات الجو المسيَّر خلق بيئة قتال مرنة، حيث لا يحتكر طرف واحد السماء بالكامل.  

أبرز مظاهر التحول ظهر في معارك أم درمان مطلع 2024، حيث استخدمت القوات المسلحة المسيَّرات لتحديد تحرُّكات أرتال الدعم السريع في الأحياء المفتوحة واستهدافها قبل وصولها إلى خطوط التماسّ. وساهمت الضربات الجوية الدقيقة في تقليص قدرة الدعم السريع على المناورة المفتوحة، وأجبرتها على الانتقال إلى تكتيكات الانتشار اللامركزي.  

وفي ولاية الجزيرة تم استهداف غرف عمليات ميدانية داخل أحياء سكنية، ما يعكس اعتماداً متزايداً على الاستطلاع اللحظي وتحديد الإحداثيات عبر المسيَّرات قبل تنفيذ الضربة.  

كذلك طالت الهجمات منشآت حيوية مثل مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، في تطوُّر يعكس انتقال الحرب من الطابع العسكري الصرف إلى استهداف البنية التحتية الاقتصادية.  

في المقابل، استخدمت قوات الدعم السريع مسيّرات انتحارية لاستهداف تجمعات للجيش ومخازن إمداد، وحصلت هجمات بطائرات صغيرة محملة بمتفجرات بدائية الصنع، ما أدى إلى إرباك خطوط الدفاع التقليدية وإجبار الجيش على توزيع مخازنه وعتاده في نقاط متعددة لتقليل الخسائر.  

أثر المسيَّرات في مسار المعركة  

أدت المسيَّرات إلى إنهاء عصر القوافل العسكرية الكبيرة. فكل تحرُّك مكشوف أصبح عرضة للرصد والاستهداف خلال دقائق، وقد أجبر ذلك الطرفين على التحرك في مجموعات صغيرة، واستخدام التمويه والانتشار داخل الأحياء السكنية، ما زاد من تعقيد المشهد الإنساني.  

كما مكّنت المسيّرات الجيش من تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف نوعية. فبدل القصف العشوائي الواسع، أصبح بالإمكان رصد هدف محدد وضربه بذخيرة موجهة. هذه القدرة قلّصت الحاجة إلى الطيران الحربي التقليدي مثل مقاتلات MiG-29 أو Su-25، والتي تتطلب كلفة تشغيلية عالية وبنية تحتية متماسكة.  

لكن في الوقت نفسه، أتاح انتشار المسيّرات الرخيصة للدعم السريع تنفيذ “ضربات إزعاج” مستمرة، حتى وإن لم تكن حاسمة عسكرياً، فإنها تستنزف الخصم نفسياً وتكتيكياً.  

كما أن تحليق المسيّرات المستمر فوق مناطق التماسّ يخلق شعوراً بعدم الأمان، ويؤثر في معنويات المقاتلين والسكان.  

كما أن كلفتها المنخفضة مقارنة بالطيران التقليدي تعني قدرة أطراف الصراع على إطالة أمد المواجهة، إضافة إلى أن انتشار هذه التقنيات في بيئة هشة أمنياً قد يؤدي إلى انتقالها إلى فاعلين غير منضبطين، ما يهدد الاستقرار الإقليمي الأوسع.  

ومنحت المسيّرات الجيش أداة إنذار مبكر حول القواعد العسكرية، حيث يمكن رصد أي حشد قبل وصوله إلى الأسوار، وهو ما ساهم في منع سقوط بعض المواقع الإستراتيجية.  

لكن في المقابل، كشفت الحرب عن هشاشة المنشآت الاقتصادية أمام الطائرات الانتحارية الصغيرة. فاستهداف محطات كهرباء أو مخازن وقود بطائرة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات يمكن أن يسبب أضراراً بملايين الدولارات، ويؤثر في حياة المدنيين على نطاق واسع.  

الخلاصة  

تسبَّبت المسيَّرات الرخيصة في "دَمَقْرطة" النزاعات الحديثة، ويُقدم السودان نموذجاً واضحاً لذلك، فهناك طرف يمتلك مسيَّرات متقدمة نسبياً، وآخر يعتمد على حلول مبتكرة منخفضة الكلفة، وكلاهما قادر على إحداث أثر ميداني حقيقي.  

المتغيِّر الحاسم في المرحلة المقبلة قد لا يكون عدد المسيَّرات، بل القدرة على التشويش الإلكتروني وإسقاط الطائرات المعادية. فالتفوق في أنظمة الحرب الإلكترونية سيحدد مَن يملك السيطرة الفعلية على السماء المنخفضة. وفي حال حصول أحد الطرفين على دعم تقني متقدم في هذا المجال، فقد يميل الميزان سريعاً.  

بهذا المعنى، يشكّل السودان اليوم مختبراً حياً لتحوُّلات الحرب في إفريقيا: حرب أقل كلفة من حيث الوسائل، لكنها أكثر تعقيداً من حيث النتائج، وأوسع أثراً على المجتمع والدولة معاً.  

 



مواد ذات صلة
التجسُّس الإماراتي على قصر قرطاج
تحسُّن في العلاقات المغربية الكينية