تفشِّي إيبولا يُفاقم الهشاشة الأمنية شرق الكونغو

  • الرئيسية
  • تفشِّي إيبولا يُفاقم الهشاشة الأمنية شرق الكونغو
Cass Banener Image
تفشِّي إيبولا يُفاقم الهشاشة الأمنية شرق الكونغو

تفشِّي إيبولا يُفاقم الهشاشة الأمنية شرق الكونغو

يُشكّل تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية نموذجاً معقداً للتداخل بين التهديدات الصحية والهشاشة الأمنية، حيث لم يَعُد المرض مجرد أزمة وبائية، بل أصبح عاملاً مؤثراً ومتأثراً بالبِنْية الأمنية والسياسية والعسكرية في البلاد. ويأتي التفشي الأخير في سياق بيئة شديدة الاضطراب، خاصة في أقاليم الشرق مثل شمال كيفو وإيتوري، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة، أبرزها حركة “23 مارس” وفصائل محلية ومجموعات مرتبطة بشبكات تهريب عابرة للحدود. 

من الناحية الأمنية، ساهمت حالة عدم الاستقرار بشكل مباشر في تسهيل انتشار المرض وتعقيد جهود احتوائه. فالمناطق التي شهدت حالات الإصابة تقع في نطاقات تعاني ضعفاً حادّاً في سيطرة الدولة، ما يحدّ من قدرة السلطات الصحية على تنفيذ إجراءات الرصد والعزل والتطعيم. 

كما أن استمرار الاشتباكات والتنقلات المسلحة أدى إلى نزوح واسع للسكان، وهو ما زاد من احتمالات انتقال العدوى بين المجتمعات المحلية وعَبْر الحدود مع أوغندا وجنوب السودان ورواندا. 

إضافة إلى ذلك، تعرضت البِنْية الصحية نفسها لضغوط أمنية متزايدة. فقد واجهت الفِرَق الطبية ومنظمات الإغاثة صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب التهديدات المسلحة، كما سُجلت خلال موجات تفشٍّ سابقة اعتداءات مباشرة على مراكز علاج إيبولا وعمليات استهداف للعاملين الصحيين. 

هذا الواقع خلق بيئة من انعدام الثقة بين السكان المحليين والسلطات، خاصة في المناطق التي ترتبط فيها مؤسسات الدولة بصورة سلبية بسبب الفساد أو العنف أو الانقسامات الإثنية. 

العامل الأمني لم يقتصر على التهديدات المسلحة المباشرة، بل شمل أيضاً الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التهريب العابرة للحدود، إذ تعتمد قطاعات واسعة من السكان في الشرق الكونغولي على التجارة غير النظامية والتنقل المستمر عَبْر الحدود، وهو ما يجعل فرض القيود الصحية أمراً بالغ الصعوبة. كما أن الجماعات المسلحة تستفيد من ضعف الرقابة الحدودية ومن هشاشة مؤسسات الدولة، ما يخلق بيئة مثالية لانتقال العدوى دون قدرة فعلية على التتبع أو الاحتواء. 

في المقابل يؤثر انتشار إيبولا نفسه بصورة متزايدة على الحالة الأمنية في الكونغو الديمقراطية. فالمرض يؤدي إلى إنهاك مؤسسات الدولة الأمنية والخدمية عَبْر تحويل الموارد والقدرات نحو الاستجابة الصحية الطارئة، ما يقلل من قدرة الحكومة على ضبط الأمن في مناطق النزاع. 

كما أن تراجُع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الوفيات يُعمّقان حالة السخط الشعبي، الأمر الذي قد تستغله الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها المحلي أو تجنيد عناصر جديدة. 

ويبرز هنا خطر تحوُّل الأزمة الصحية إلى عامل مضاعف للهشاشة السياسية والاجتماعية، خاصة إذا ترافق التفشي مع تراجُع الدعم الدولي أو ضعف التمويل الإنساني. فالمجتمعات المحلية التي تشعر بالعزلة أو الإهمال تصبح أكثر عرضة لانتشار الشائعات ونظريات المؤامرة، وهو ما حدث في موجات سابقة عندما رفض بعض السكان التعاون مع الفرق الصحية أو اعتبروا إجراءات الحجر الصحي جزءاً من تدخُّل سياسي أو أمني ضدهم. 

كذلك، يفرض تفشي إيبولا تحدِّيَات أمنية إقليمية تتجاوز حدود الكونغو الديمقراطية. فاحتمال انتقال العدوى إلى دول الجوار يضع ضغوطاً على أنظمة الحدود والهجرة والتنسيق الأمني الإقليمي، خاصة في منطقة البحيرات العظمى التي تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة. 

كما أنّ أيّ توسُّع للمرض قد يؤدي إلى تشديد القيود الحدودية وتعطيل التجارة المحلية، ما يُفاقم التوتُّرات الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحدودية. 

وتشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقة بين الأمن والصحة في الكونغو الديمقراطية أصبحت علاقة دائرية؛ فغياب الاستقرار يسرّع انتشار الوباء، بينما يؤدي الوباء بدوره إلى تعميق مظاهر الهشاشة والانقسام. ومن ثَمّ، فإن احتواء إيبولا لا يمكن أن ينجح عَبْر المقاربة الصحية وحدها، بل يتطلب مقاربة "أمنية ـ تنموية" متكاملة تشمل حماية الفِرَق الطبية، وتعزيز الثقة المجتمعية، وتحسين إدارة الحدود، وتوسيع حضور الدولة في المناطق الهشّة، بالتوازي مع استمرار الدعم الدولي والإقليمي. 

 



مواد ذات صلة
الدور الإماراتي في انقلابات دول الساحل
العلاقات التشادية الإسرائيلية: الدوافع والمكاسب