شهدت المنطقة الحدودية بين النيجر ونيجيريا وبنين خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة هجمات الجماعات الجهادية، وهو تطوُّر يعكس انتقال بؤرة النشاط المسلح تدريجياً من قلب الساحل إلى الأطراف الجنوبية للمنطقة، والتي أصبحت إحدى أهم الجبهات الجديدة لتمدُّد التنظيمات المرتبطة بشبكات الجهاد العالمي، خصوصاً تلك المرتبطة بتنظيمَيْ داعش والقاعدة.
تتمثل أهمية هذه المنطقة في موقعها الجغرافي الحسّاس، إذ تقع ضمن حزام يربط الساحل بغرب إفريقيا الساحلي، ويشمل مناطق الغابات والحدود غير المحكمة التي تسهّل الحركة السرية للمقاتلين والأسلحة. وقد تحولت هذه البيئة إلى مساحة عمليات جذابة للجماعات المسلحة بعد أن تعرضت لضغوط عسكرية متزايدة في دول مثل مالي وبوركينا فاسو. ويبدو أن التنظيمات الجهادية تسعى إلى إعادة التموضع عبر فتح جبهة جنوبية تسمح لها بتوسيع نطاق نشاطها نحو دول خليج غينيا.
أحد أبرز الفاعلين في هذا التصعيد هو فرع تنظيم داعش في غرب إفريقيا، الذي نشأ أساساً من انقسام داخل حركة بوكو حرام. هذا التنظيم يتمتع بقدرة متزايدة على تنفيذ عمليات معقدة، مستفيداً من خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات الصراع في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد.
وفي الوقت نفسه، تنشط في المنطقة مجموعات مرتبطة بتنظيم القاعدة ضمن شبكة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي يقودها تحالُف من الفصائل المسلحة في الساحل.
التكتيكات التي تستخدمها هذه الجماعات تشير إلى تحوُّل في طبيعة العمليات. فبدلاً من الاكتفاء بالهجمات الخاطفة، بدأت بعض المجموعات في تنفيذ كمائن معقدة ضدّ قوات الأمن، واستهداف القرى والبنية التحتية المحلية، إضافة إلى فرض أنماط حكم غير رسمي في بعض المناطق الريفية.
كما تستفيد هذه التنظيمات من شبكات التهريب المحلية، سواء المتعلقة بالوقود أم السلاح أم الهجرة غير النظامية، لتمويل عملياتها وتعزيز نفوذها.
العامل الآخر الذي يفسر تصاعُد العنف يتمثل في هشاشة السيطرة الحكومية على المناطق الحدودية. فهذه المناطق تعاني من ضعف البِنْية الأمنية وغياب الخدمات الأساسية، ما يخلق فراغاً مؤسسياً تستغله الجماعات المسلحة لكسب التأييد أو فرض السيطرة بالقوة.
كما أن الطبيعة المعقدة للحدود الثلاثية بين الدول الثلاث تجعل من الصعب تنفيذ عمليات أمنية منسقة، خاصة في ظل محدودية التنسيق الاستخباراتي بين بعض الحكومات.
هذا التصعيد يحمل تداعيات إقليمية واسعة. فمن جهة، يهدد بامتداد عدم الاستقرار إلى دول كانت حتى وقت قريب بعيدة نسبياً عن مركز العنف في الساحل، مثل بنين وساحل العاج وتوغو.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى إعادة تشكيل أولويات الأمن الإقليمي، حيث ستضطر هذه الدول إلى تعزيز انتشارها العسكري على الحدود الشمالية وزيادة التعاون مع الشركاء الدوليين.
في المدى القريب، من المرجح أن تستمر الجماعات الجهادية في اختبار قدرات الدول الساحلية عَبْر سلسلة من الهجمات المحدودة لكنها متكررة، بهدف استنزاف القوات الأمنية وتوسيع مناطق النفوذ تدريجياً.
أما على المدى المتوسط، فإن نجاح هذه الجماعات في ترسيخ وجودها في المنطقة الحدودية قد يؤدي إلى نشوء ممر جهادي يمتد من الساحل الأوسط حتى سواحل خليج غينيا، وهو سيناريو يثير قلقاً متزايداً لدى الحكومات الإفريقية والشركاء الدوليين على حد سواء.
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن القول إن المثلث الحدودي بين النيجر ونيجيريا وبنين يمثل إحدى أهم الساحات الناشئة في الصراع ضد الجماعات الجهادية في إفريقيا، وإن مسار الأحداث في هذه المنطقة خلال العامين المقبلين قد يكون عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأمن الإقليمي في غرب إفريقيا.




