استمرار التوتر في أمهرة يُهدّد استقرار إثيوبيا

  • الرئيسية
  • استمرار التوتر في أمهرة يُهدّد استقرار إثيوبيا
Cass Banener Image
استمرار التوتر في أمهرة يُهدّد استقرار إثيوبيا

استمرار التوتر في أمهرة يُهدّد استقرار إثيوبيا

يشهد إقليم أمهرة في إثيوبيا استمراراً للتوتر الأمني والعسكري، في ظلّ تصاعُد المواجهات المتقطعة بين القوات الحكومية الإثيوبية ومسلحي “فانو”، وهو ما يعكس فشل السلطة المركزية في احتواء تداعيات الحرب التي أعقبت اتفاق بريتوريا الخاص بإنهاء الحرب في تيغراي.

وتُعَدّ الأزمة الحالية واحدة من أخطر التحدِّيَات التي تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد؛ لأنها تتصل مباشرة بتوازُنات السلطة داخل الدولة الإثيوبية، وبالعلاقة بين المركز والقوميات الرئيسية، إضافة إلى تأثيرها المحتمل على استقرار القرن الإفريقي بأكمله.

وتعود جذور الأزمة إلى مرحلة الحرب في تيغراي بين عامَيْ 2020 و2022، حين أدَّتْ قوات وميليشيات من إقليم أمهرة دوراً رئيسياً في القتال إلى جانب الجيش الفيدرالي ضدّ جبهة تحرير تيغراي.

وخلال تلك الحرب، تمكنت قوات أمهرة من فرض سيطرتها على مناطق متنازَع عليها، خصوصاً في غرب تيغراي وجنوبها، وهو ما عزَّز نفوذ النخب القومية الأمهرية داخل المعادلة السياسية والأمنية الإثيوبية.

لكن اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب في تيغراي خلق حالة استياء متزايدة داخل أوساط قومية أمهرة، التي اعتبرت أن الحكومة الفيدرالية بدأت تقديم تنازُلات على حساب مصالحها، خاصة فيما يتعلق بمستقبل المناطق المتنازَع عليها وإعادة ترتيب موازين القُوى داخل الجيش والدولة.

وتفاقمت الأزمة بعد قرار الحكومة الإثيوبية في 2023 تفكيك “القوات الخاصة الإقليمية” ودمجها ضِمن المؤسسات الأمنية الفيدرالية، وهو القرار الذي قُوبل برفض واسع في أمهرة، حيث اعتُبر محاولة لإضعاف الإقليم وتجريده من أدوات القوة التي اكتسبها خلال حرب تيغراي.

ومنذ ذلك الوقت، تصاعد نشاط مجموعات “فانو”، وهي تشكيلات مسلحة غير مركزية تضمّ مقاتلين محليين وقوميِّي أمهرة، وتحوّلت تدريجياً إلى أبرز تحدٍّ أمني داخلي يواجه الدولة الإثيوبية بعد تراجُع حِدّة الحرب في تيغراي.

وخلال الأيام الأخيرة، شهد الإقليم تصاعُداً جديداً في الاشتباكات، خصوصاً في مناطق قريبة من غوندار وبحر دار، حيث حصلت عمليات استهداف لقوافل عسكرية وقطع طرق رئيسية، بالتوازي مع حملات أمنية واسعة ينفذها الجيش الإثيوبي، مع استمرار الهجمات المحدودة التي تنفذها مجموعات “فانو” ضدّ مواقع حكومية وعسكرية، ما يشير إلى أن التوتر لم يَعُدْ مجرد احتجاج مسلح متفرِّق، بل بات أقرب إلى حالة تمرُّد منخفض الكثافة ممتدّ زمنياً وجغرافياً.

وتعود أسباب استمرار التوتر إلى عدة عوامل متداخلة. أولها شعور قطاعات واسعة من قوميِّي أمهرة بأن الحكومة الفيدرالية تحاول إعادة هندسة التوازنات الداخلية بعد حرب تيغراي، بما يقلص نفوذ الإقليم داخل المؤسسة العسكرية والدولة.

كما أن غياب تسوية واضحة لملفّ المناطق المتنازَع عليها مع تيغراي أبقى التوتر قائماً، خاصة مع تصاعُد الحديث داخل أوساط تيغراي عن ضرورة استعادة تلك المناطق. ويُضاف إلى ذلك استمرار الأزمة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، التي وفرت بيئة مناسبة لتوسيع التجنيد والتعبئة داخل المجموعات المسلحة.

ويُمثّل التوتر في أمهرة تحدِّياً مباشراً لاستقرار إثيوبيا؛ لأن الإقليم يُعَدّ من أكثر الأقاليم أهمية من الناحية السياسية والعسكرية والديموغرافية. كما أن استمرار المواجهات يستنزف الجيش الإثيوبي الذي لم يتعافَ بالكامل بعد حرب تيغراي، ويَحُدّ من قدرة الحكومة على فرض الاستقرار في مناطق أخرى.

والأهمّ من ذلك أن الأزمة الحالية تؤثر بصورة مباشرة على إقليم تيغراي؛ لأن أيّ تصعيد جديد في أمهرة قد يدفع نحو إعادة تنشيط الاصطفافات العسكرية القديمة بين القوميين الأمهريين وجبهة تحرير تيغراي، خصوصاً في ظلّ هشاشة اتفاق بريتوريا واستمرار التوترات السياسية والأمنية داخل تيغراي نفسه.

كما أن التوتر يحمل أبعاداً إقليمية مهمة، إذ تتابع إريتريا التطوُّرات عن كثب نظراً لعلاقتها المعقَّدة مع كل من أمهرة وتيغراي والحكومة الإثيوبية.

ويُعتقد أن أسمرة تنظر إلى استمرار الانقسامات داخل إثيوبيا باعتباره عاملاً يَحُدّ من قدرة أديس أبابا على التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة.

وفي المقابل، تخشى دول الجوار -خصوصاً السودان- من أن يؤدي استمرار التوتر إلى موجات نزوح جديدة أو إلى اتساع النشاط المسلح قرب الحدود، في وقت يعاني فيه السودان أصلاً من حرب داخلية واسعة. كما أن أيّ تفكُّك إضافي في الداخل الإثيوبي سيؤثر مباشرة على أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في ظلّ الترابط المتزايد بين أزمات المنطقة.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة “الاستنزاف المتبادَل” بين الجيش الإثيوبي ومجموعات “فانو”، دون قدرة أيّ طرف على تحقيق حسم كامل. فالحكومة تمتلك تفوُّقاً عسكرياً واضحاً، لكنها تواجه صعوبة في إنهاء التمرد بسبب طبيعته المحلية واللامركزية.

أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في اتساع التوتر نحو مواجهة متعددة الجبهات تشمل أمهرة وتيغراي وربما أطرافاً إقليمية بصورة غير مباشرة، خصوصاً إذا انهار اتفاق بريتوريا أو تصاعد النزاع حول المناطق المتنازَع عليها.

وفي المقابل، يبقى احتمال التهدئة قائماً، لكنه يتطلب تسوية سياسية أوسع تعيد ترتيب العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وهو أمر لا تبدو مؤشراته متوفرة بشكل واضح في المرحلة الحالية.

 



مواد ذات صلة
عودة الجيش الكونغولي إلى أوفيرا ومخاوف استدامة الأمن
تنظيم الدولة الإسلامية يتمدَّد في موزمبيق