يشهد القرن الإفريقي، ولا سيما المجال الممتد بين خليج عدن والبحر الأحمر، تصاعُداً لافتاً في الاهتمام الدولي بالموانئ والبنية التحتية البحرية، في كل من الصومال وصوماليلاند وجيبوتي.
ويعود هذا الاهتمام إلى التحوُّلات المتسارعة في البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، حيث أصبحت هذه المنطقة تمثل إحدى أهم العقد الإستراتيجية في النظام التجاري العالمي، نظراً لقربها من مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.
وقد أدّت الحرب على إيران إلى إعادة رفع الأهمية الإستراتيجية لموانئ القرن الإفريقي، فمع تصاعُد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، وتزايُد التهديدات التي تطال الملاحة عبر مضيق باب المندب، باتت خطوط الشحن العالمية أكثر عرضة للاضطراب، ما دفع شركات النقل والدول المعنية إلى إعادة تقييم مساراتها وتأمين نقاط ارتكاز لوجستية بديلة أو أكثر أمناً.
في هذا الإطار، اكتسبت موانئ جيبوتي والصومال وصوماليلاند أهمية مضاعفة، ليس فقط كمحطات تجارية، بل كعُقد دعم لوجستي وعسكري لضمان استمرارية حركة التجارة.
في الوقت ذاته، أدّت الحرب إلى عسكرة متزايدة للممرات البحرية، حيث عززت قوى دولية وجودها العسكري لتأمين الملاحة، ما جعل هذه الموانئ جزءاً من منظومة أمنية أوسع، وليس مجرد بنية تحتية اقتصادية.
وقد برزت الموانئ في القرن الإفريقي كساحات تنافس بين قوى دولية وإقليمية متعددة. فالقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين تسعى إلى تعزيز حضورها لضمان أمن سلاسل الإمداد العالمية، بينما تعمل قوى إقليمية مثل الإمارات وتركيا وقطر على ترسيخ نفوذها من خلال الاستثمار في البنية التحتية وإدارة الموانئ.
وقد أدى هذا التداخل إلى تحويل الموانئ إلى نقاط ارتكاز استراتيجية تُستخدم لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، وليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية. كما أن هذا التنافس يرتبط أيضاً بمشاريع أوسع، مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، التي تعتمد على تطوير موانئ وممرات لوجستية عبر مناطق إستراتيجية.
تكتسب جيبوتي موقعاً محورياً في هذه المعادلة، إذ تُعَد حالياً المركز الرئيسي للتجارة في القرن الإفريقي، خاصة بالنسبة لإثيوبيا التي تعتمد بشكل شبه كامل على موانئها للوصول إلى البحر. وقد استفادت جيبوتي من هذا الموقع لتطوير بنيتها التحتية بدعم استثمارات دولية، خاصة من الصين، إلى جانب استضافة عدد من القواعد العسكرية الأجنبية.
غير أن هذا التفوق يواجه تحديات متزايدة، أبرزها الاعتماد الكبير على شريك واحد، والمنافسة المتنامية من موانئ بديلة في المنطقة، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بتحوُّلها إلى نقطة تجمُّع عسكري دولي.
في المقابل، برزت صوماليلاند كمنافس صاعد في هذا المجال، خصوصاً من خلال تطوير ميناء بربرة الذي تديره شركة إماراتية. وقد اكتسب هذا الميناء أهمية إستراتيجية متزايدة باعتباره بديلاً محتملاً لموانئ جيبوتي، خاصة بالنسبة لإثيوبيا التي تسعى إلى تنويع منافذها البحرية.
كما أن الاهتمام الدولي بصوماليلاند لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البُعد السياسي، في ظل تزايُد النقاشات حول وضعها القانوني وإمكانية توسيع علاقاتها الدولية، ما يضيف بُعداً جديداً إلى معادلة التنافس في المنطقة.
أما في الصومال، فرغم امتلاكها لموانئ ذات إمكانات كبيرة مثل ميناء مقديشو، فإن دورها لا يزال محدوداً نسبياً بسبب التحديات الأمنية والسياسية والبنيوية. ومع ذلك، هناك جهود متزايدة من قِبل شركاء دوليين، خاصة تركيا، لتطوير هذه الموانئ وإعادة دمج الصومال في منظومة التجارة الإقليمية. ويعكس ذلك إدراكاً دولياً لأهمية الصومال على المدى الطويل، رغم التحديات الحالية.
تتجاوز تداعيات هذا التنافس البُعد الاقتصادي لتشمل إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في القرن الإفريقي. فالموانئ أصبحت أدوات لإعادة رسم التحالفات الإقليمية، كما ساهمت في تعقيد العلاقات بين الصومال وصوماليلاند، وأدخلت أطرافاً خارجية في تفاعلات محلية حسّاسة.
كما أن تزايُد الاستثمارات في الموانئ ترافق مع توسُّع في الوجود العسكري، ما يعزز من اتجاه عسكرة الممرات البحرية، ويزيد من احتمالات التوتر غير المباشر بين القوى المتنافسة.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المنطقة تتجه نحو نمط من “التعايش التنافسي”، حيث تستمر الموانئ المختلفة في أداء أدوار متباينة ضِمن شبكة إقليمية غير متكاملة بالكامل. فجيبوتي ستبقى على الأرجح المركز الرئيسي في المدى القريب، بينما تواصل موانئ مثل بربرة تعزيز موقعها كمنافس صاعد، في حين يحتاج الصومال إلى وقت أطول لتحقيق استقرار يمكنه من الاستفادة الكاملة من إمكاناته. ومع ذلك، يبقى احتمال التصعيد الجيوسياسي قائماً، خاصة إذا تم توظيف هذه الموانئ في سياق صراعات إقليمية أوسع.
في المحصِّلة، يعكس تزايُد الاهتمام الدولي بموانئ القرن الإفريقي تحوُّل المنطقة إلى محور مركزي في التفاعلات العالمية بين الاقتصاد والأمن. وسيعتمد مستقبل هذه الموانئ، بل واستقرار المنطقة ككل، على قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إدارة هذا التنافس بشكل متوازن، بما يمنع انزلاقه نحو صراع مفتوح، ويتيح في الوقت ذاته الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي يوفرها هذا الاهتمام المتزايد.




