تمرُّد كابو ديلغادو في موزمبيق يتحوّل لحرب استنزاف طويلة الأمد

  • الرئيسية
  • تمرُّد كابو ديلغادو في موزمبيق يتحوّل لحرب استنزاف طويلة الأمد
Cass Banener Image
تمرُّد كابو ديلغادو في موزمبيق يتحوّل لحرب استنزاف طويلة الأمد

تمرُّد كابو ديلغادو في موزمبيق يتحوّل لحرب استنزاف طويلة الأمد

يشكّل تمرد كابو ديلغادو في شمال موزمبيق واحداً من أخطر التهديدات الأمنية الصاعدة في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب طبيعته المسلحة، بل أيضاً لارتباطه المباشر بأمن الطاقة، والتنافس الجيوسياسي، وهشاشة الدولة في شرق إفريقيا. فمنذ اندلاع التمرد عام 2017، تحوّل الإقليم إلى ساحة صراع معقدة تتداخل فيها الجماعات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، وشبكات التهريب، والمصالح الدولية المرتبطة بمشاريع الغاز الطبيعي العملاقة. ومع دخول عام 2026، يبدو أن التمرد انتقل من مرحلة “الاحتواء العسكري” إلى مرحلة “الاستنزاف طويل الأمد”. 

بدأت الأزمة في محافظة كابو ديلغادو، وهي منطقة فقيرة ومهمّشة رغم احتضانها واحداً من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في إفريقيا. 

وقد استغلت الجماعات المسلحة حالة التهميش الاقتصادي، وضعف الخدمات، وغياب التنمية، لتوسيع نفوذها بين فئات شبابية ناقمة على السلطة المركزية في مابوتو. ومع الوقت، تطورت الجماعة من خلايا محلية محدودة إلى تنظيم مسلح قادر على تنفيذ هجمات معقدة والسيطرة المؤقتة على بلدات ومراكز إستراتيجية. 

ورغم أن الحكومة الموزمبيقية تمكنت -بدعم رواندي وإقليمي- من استعادة عدد من المناطق الحيوية منذ 2021، فإن التمرد لم يُهزم فعلياً. بل تحوّل إلى نمط حرب مرنة يعتمد على الكمائن، والضربات الخاطفة، وإعادة الانتشار في المناطق الريفية والغابات الساحلية. 

وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار قدرة الجماعات المسلحة على شنّ هجمات تؤدي إلى موجات نزوح جديدة، بما يعكس محدودية السيطرة الحكومية خارج المراكز الأساسية. 

العامل الأكثر حساسية في الصراع يتمثل في البُعد الاقتصادي والطاقة. فالإقليم يحتضن مشاريع غاز ضخمة تقودها شركات دولية، أبرزها مشروع الغاز الطبيعي المسال التابع لشركة “توتال إنرجيز”، الذي تعطل لسنوات بسبب الوضع الأمني قبل أن تعلن الشركة استئناف العمل به مطلع 2026. 

ويعكس هذا القرار إدراكاً دولياً بأن استقرار كابو ديلغادو لم يَعُدْ قضية داخلية تخص موزمبيق فقط، بل جزء من أمن الطاقة العالمي، خاصة مع تنامي الطلب الأوروبي على مصادر غاز بديلة. 

في المقابل، فإن عودة المشاريع الاقتصادية الكبرى قد تتحول إلى عامل توتُّر إضافي إذا لم تنعكس على السكان المحليين. فجزء مهم من الحاضنة الاجتماعية للتمرد مرتبط بالشعور بأن الثروات الطبيعية تُستغل لصالح النخب السياسية والشركات الأجنبية، بينما تبقى المجتمعات المحلية غارقة في الفقر والبطالة. لذلك، فإن أي مقاربة أمنية لا تترافق مع معالجة اقتصادية وتنموية ستظل محدودة التأثير. 

إقليمياً، أدى التدخل الرواندي دوراً محورياً في منع انهيار الوضع الأمني، حيث نجحت القوات الرواندية في تأمين مناطق إستراتيجية ومواقع الطاقة. 

غير أن مستقبل هذا الوجود العسكري بات يواجه تحديات سياسية ومالية، خاصة مع الضغوط الدولية والعقوبات التي طالت كيغالي خلال الأشهر الأخيرة. وفي حال تراجع الدعم الرواندي أو انسحابه الجزئي، فقد تواجه موزمبيق فراغاً أمنياً يَصعُب على جيشها الوطني ملؤه بمفرده، نظراً لمحدودية قدراته اللوجستية والاستخباراتية. 

كما تكشف الأزمة عن تحول أوسع في طبيعة التهديدات الأمنية في إفريقيا. فتمرد كابو ديلغادو لا يشبه الحروب التقليدية، بل يمثل نموذجاً للتهديدات الهجينة التي تمزج بين الإرهاب، والاقتصاد غير المشروع، والفراغات التنموية، والارتباطات العابرة للحدود. ولذلك، فإن استمرار الصراع قد يحول شمال موزمبيق إلى بؤرة عدم استقرار ممتدة نحو الساحل الشرقي الإفريقي والممرات البحرية في المحيط الهندي. 

وعليه، يمكن القول إن الحكومة الموزمبيقية نجحت حتى الآن في منع سقوط الإقليم بالكامل، لكنها لم تنجح في إنهاء أسباب التمرد. كما أن المكاسب العسكرية الحالية تبدو هشة ومرتبطة باستمرار الدعم الخارجي أكثر من ارتباطها ببناء قدرة وطنية مستقلة. 

وفي المدى المنظور، يُرجح أن يستمر الصراع بصيغة منخفضة الحدة، مع بقاء خطر التصعيد قائماً كلما تراجعت الضغوط العسكرية أو تعثرت برامج التنمية وإعادة الإعمار. إن مستقبل كابو ديلغادو سيتحدد ليس فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في قدرة الدولة على تحويل الثروة الغازية إلى مصدر استقرار اجتماعي وسياسي، بدلاً من بقائها وقوداً لصراع مفتوح. 

 



مواد ذات صلة
مسار المواجهة مع حركة الشباب في الصومال
مآلات الاستعصاء الميداني في إقليم أمهرة