تصاعُد التوترات المرتبطة بالمهاجرين في جنوب إفريقيا

  • الرئيسية
  • تصاعُد التوترات المرتبطة بالمهاجرين في جنوب إفريقيا
Cass Banener Image
تصاعُد التوترات المرتبطة بالمهاجرين في جنوب إفريقيا

تصاعُد التوترات المرتبطة بالمهاجرين في جنوب إفريقيا

تشهد جنوب إفريقيا خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من التوترات المرتبطة بالمهاجرين الأجانب، أعادت إلى الواجهة ملفّ “العنف المُعادِي للأجانب” الذي يُعَدّ من أكثر الملفّات حساسية داخل البلاد منذ نهاية نظام الفصل العنصري.

وتتمحور الأزمة الحالية حول تصاعُد الاحتجاجات الشعبية المُطالِبة بتشديد إجراءات الهجرة وترحيل المهاجرين غير النظاميين، في ظلّ أوضاع اقتصادية واجتماعية متدهورة، ما أدى إلى حوادث اعتداء وتهديد ضدّ مهاجرين أفارقة، خصوصاً من نيجيريا وزيمبابوي ومالاوي وموزمبيق وغانا.

تعود جذور الأزمة إلى تراكمات طويلة مرتبطة بالاقتصاد والبطالة والهجرة الإقليمية. فمنذ انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، تحولت جنوب إفريقيا إلى أكبر وجهة اقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء، ما جذب موجات كبيرة من المهاجرين من دول الجوار والدول الإفريقية الأخرى، سواء للعمل أو اللجوء أو التجارة الصغيرة. لكن هذا التدفق تزامن مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر والجريمة داخل البلاد، ما خلق بيئة خصبة لخطابات تحميل المهاجرين مسؤولية التدهور الاقتصادي.

وتُظهر بيانات السنوات الماضية أن ظاهرة العنف ضد الأجانب ليست جديدة، إذ شهدت البلاد موجات عنيفة في أعوام 2008 و2015 و2019، تخللتها عمليات قتل ونهب وإحراق لمتاجر يملكها مهاجرون. وقد قُتل أكثر من 60 شخصاً في اضطرابات 2008 وحدها، فيما اضطرت السلطات حينها لنشر الجيش لاحتواء الأزمة.

في السنوات الأخيرة، برزت مجموعات شعبوية وحركات ضغط مثل Operation Dudula، التي تبنّت خطاباً متشدداً ضد المهاجرين غير النظاميين، وربطت بين وجودهم وبين ارتفاع الجريمة والبطالة والضغط على الخدمات الصحية والاجتماعية.

وقد توسع نفوذ هذه المجموعات تدريجياً داخل الأحياء الفقيرة ومناطق العمالة منخفضة الدخل، مستفيدة من حالة الإحباط الشعبي تجاه الحكومة وعجزها عن معالجة الأزمات الاقتصادية.

خلال الأيام الماضية، شهدت مدن رئيسية مثل جوهانسبرغ وبريتوريا وعدد من مناطق غوتنغ احتجاجات ومسيرات تطالب بفرض قيود أكثر صرامة على الهجرة، وسط دعوات لطرد المهاجرين غير النظاميين وإغلاق المتاجر الأجنبية. وأدت حالة التوتر إلى تسجيل اعتداءات وتهديدات ضد أجانب، بالإضافة إلى انتشار مقاطع مصورة تُظهر مضايقات واستهدافاً لمهاجرين أفارقة.

وفي تطوُّر لافت، أعلنت نيجيريا أن ما لا يقل عن 130 من مواطنيها طلبوا العودة الطوعية من جنوب إفريقيا بسبب مخاوف أمنية مرتبطة بالاحتجاجات الأخيرة. كما استدعت الحكومة النيجيرية القائم بالأعمال الجنوب إفريقي للتعبير عن “قلق بالغ” إزاء التطورات، بينما دعت غانا ودول إفريقية أخرى رعاياها إلى توخي الحذر.

في المقابل، حاولت حكومة جنوب إفريقيا احتواء الأزمة عبر التأكيد أن الاحتجاجات لا تعكس "كراهية للأجانب"؛ بقدر ما تعبّر عن غضب شعبي من الهجرة غير النظامية، مع التعهد بالتصدي لأي أعمال عنف أو تحريض.

وتحمل الأزمة الحالية أبعاداً متعددة تتجاوز البُعد الاجتماعي المباشر، فالبطالة في جنوب إفريقيا تتجاوز 30%، مع مستويات مرتفعة بين الشباب السود، ما يجعل المهاجرين هدفاً سهلاً للاتهامات المتعلقة “بسرقة الوظائف” والمنافسة على الاقتصاد غير الرسمي والخدمات العامة.

كما أن تنامي نشاط الجماعات الشعبوية المعادية للمهاجرين يرفع خطر التحول من احتجاجات متفرقة إلى أعمال عنف منظمة أو شِبه منظمة، خاصة في الأحياء الفقيرة والمناطق ذات الهشاشة الأمنية.

وقد بات الملفّ يُستخدم داخلياً في التنافس السياسي، مع سعي بعض القوى لاستثمار الغضب الشعبي انتخابياً، عبر خطاب قومي أو حمائي ضد الأجانب.

وقد بدأت هذه التوترات تؤثر على علاقات جنوب إفريقيا بدول إفريقية مهمة مثل نيجيريا وغانا وزيمبابوي، مع تصاعُد الانتقادات القارية لبريتوريا بشأن حماية المهاجرين الأفارقة.

على المدى القريب، يُرجح استمرار التوترات بشكل متقطع، خصوصاً إذا استمرت الحملات الاحتجاجية ضدّ المهاجرين أو وقعت حوادث قتل أو اعتداء جديدة. كما يُتوقع أن تشهد البلاد تعزيزاً للإجراءات الأمنية في المدن الكبرى، مع احتمال تنفيذ حملات أوسع ضدّ المهاجرين غير النظاميين لاحتواء الغضب الشعبي.

أما على المدى المتوسط، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تحوُّل الخطاب المُعادي للأجانب إلى ظاهرة سياسية واجتماعية أكثر رسوخاً، بما قد يؤدي إلى تصاعُد أعمال العنف الأهلي المحدود، وتوسُّع نشاط جماعات الضغط الشعبوية، وتدهور صورة جنوب إفريقيا داخل إفريقيا، وارتفاع التوترات الدبلوماسية مع الدول المصدِّرة للهجرة.

ورغم أن السلطات الجنوب إفريقية لا تزال قادرة على احتواء الوضع أمنياً، إلا أن غياب حلول اقتصادية حقيقية، واستمرار معدلات البطالة والفقر، يعني أن جذور الأزمة ستبقى قائمة، مع قابلية عالية لتكرار موجات العنف ضدّ المهاجرين في المستقبل.

 



مواد ذات صلة
العلاقات التشادية الإسرائيلية: الدوافع والمكاسب
داعش تصعّد هجماتها ضدّ المدنيين في الكونغو