يشهد الوضع الأمني في جنوب السودان منذ مطلع إبريل 2026 تدهوراً متسارعاً يعكس هشاشة الترتيبات الانتقالية التي أُقرت بعد اتفاق السلام المُنشّط لعام 2018، فقد تصاعدت وتيرة الاشتباكات في عدد من الولايات، ولا سيما أعالي النيل والوحدة، حيث اندلعت مواجهات بين قوات حكومية وعناصر مرتبطة بالمعارضة المسلحة.
ولم تكن هذه الاشتباكات حوادث معزولة، بل جاءت ضِمن نمط متكرر من العنف المحلي الذي يتداخل فيه السياسي بالقَبَلي، ويتغذى من غياب السيطرة المركزية الفعّالة.
وقد ترافقت هذه التطوُّرات مع تحرُّكات ميدانية لافتة، شملت إعادة انتشار وحدات عسكرية وتعبئة جزئية في بعض المناطق، ما عزز المخاوف من انهيار تدريجي لوقف إطلاق النار الهشّ.
في الوقت نفسه، تزايدت الهجمات على القرى، مما أدّى إلى نزوح داخلي جديد، إلى جانب تصاعُد خطاب التحريض بين بعض القيادات المحلية، وهو ما يشير إلى بيئة قابلة للاشتعال في أيّ لحظة.
هذا التدهور لا يمكن فصله عن التعثر المستمر في تنفيذ الترتيبات الأمنية، التي تُعَدّ جوهر اتفاق السلام. فعملية دمج القوات، التي كان يُفترض أن تؤدي إلى تشكيل جيش وطني موحّد، لا تزال متعثرة إلى حد كبير، ما أبقى على وجود تشكيلات مسلحة متعددة بولاءات مختلفة.
هذه الازدواجية في البِنية العسكرية تُترجَم ميدانياً إلى احتكاكات متكررة، حتى بين وحدات تابعة للحكومة الانتقالية، لكنها عملياً لا تزال تعمل وَفْق انتماءاتها السابقة.
ويُضاف إلى ذلك هشاشة التوازن السياسي داخل السلطة الانتقالية، حيث يستمر انعدام الثقة بين مكوناتها، الأمر الذي ينعكس في تنافُس على النفوذ، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد النفطية. وفي ظلّ هذا السياق، يصبح أي توتُّر محلي مرشحاً للتحول إلى مواجهة أوسع، نظراً لسهولة تعبئة المقاتلين على أُسُس قَبَلية أو سياسية.
العامل القَبَلي لا يزال بدوره عنصراً حاسماً في تفسير تصاعُد العنف، إذ تتكرر النزاعات حول الموارد الأساسية مثل المياه والمراعي، خاصة في ظلّ الضغوط البيئية والاقتصادية المتزايدة.
وغالبًا ما تتقاطع هذه النزاعات مع الانقسامات السياسية، فتكتسب بُعداً مسلحاً يتجاوز حدودها المحلية.
كما أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، بما في ذلك تأخُّر دفع رواتب القوات النظامية وارتفاع تكاليف المعيشة، تُضعف الانضباط داخل الأجهزة الأمنية وتزيد من احتمالات انخراط بعض عناصرها في أعمال العنف أو النهب.
ويُضاف إلى ذلك الانتشار الواسع للسلاح بين السكان، إلى جانب ضعف مؤسسات الدولة، ما يجعل احتواء أيّ تصعيد أمراً بالغ الصعوبة.
ويظل اللاعبون الداخليون هم الأكثر تأثيراً في مسار الأحداث، سواء من خلال القوات الحكومية أو الفصائل المعارضة أو حتى القادة المحليين الذين يملكون قدرة فعلية على تحريك المقاتلين في مناطقهم، فهؤلاء القادة لا يتحركون دائماً وَفْق اعتبارات سياسية وطنية، بل وَفْق حسابات محلية ضيقة، ما يزيد من تعقيد المشهد.
أما على المستوى الإقليمي، فتواصل دول الجوار لعب دور الوسيط في بعض الأحيان، لكنها في الوقت نفسه قد ترتبط بشبكات دعم غير رسمية لبعض الفصائل، خاصة في المناطق الحدودية، وهو ما يُبقي على درجة من التداخل بين الصراع الداخلي والتوازنات الإقليمية.
وعلى الصعيد الدولي، تحاول بعثة الأمم المتحدة والمنظمات المعنية احتواء التدهور، إلا أن تأثيرها يظلّ محدوداً بسبب القيود الميدانية وتراجُع مستوى الاهتمام الدولي بالأزمة مقارنة بملفات أخرى أكثر إلحاحاً.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو آفاق الوضع الأمني في جنوب السودان حتى نهاية عام 2026 محكومة بعدة سيناريوهات، أبرزها استمرار نمط “اللااستقرار المزمن”، حيث تتواصل الاشتباكات المحدودة والمتفرقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظلّ توازُن الضعف بين الأطراف.
ومع ذلك، يبقى خطر التصعيد قائماً، خاصة إذا ما حدث انهيار سياسي داخل السلطة الانتقالية أو اندلعت مواجهة كبيرة بين قوات رئيسية، وهو ما قد يدفع البلاد نحو صراع أوسع.
في المقابل، يظل سيناريو الاحتواء النسبي ممكناً، لكنه يتطلب تدخُّلاً إقليميًا ودوليًا أكثر فاعلية، وضغطاً حقيقياً لتنفيذ الترتيبات الأمنية، وهو أمر لا تبدو مؤشراته قوية في الوقت الراهن. وعليه، فإن الاتجاه العامّ يشير إلى استمرار هشاشة الوضع الأمني، مع بقاء العوامل البِنْيوية للصراع دون معالجة، ما يجعل جنوب السودان عرضة لدورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار خلال ما تبقى من العام.




