تولّت مصر مع بداية فبراير 2026 رئاسة مجلس السِّلْم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، في توقيت تعاني فيه القارة من تصعيد غير مسبوق في النزاعات المسلحة والأزمات السياسية.
يُعَدّ مجلس السِّلْم والأمن الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات المتعلقة بمنع الصراعات وإدارتها وتسويتها، وهو المحرِّك الأساسي لبِنْية السِّلْم والأمن في القارة.
وتمنح الرئاسة الدورية لمصر صلاحية صياغة جدول الأعمال، وإدارة جلسات المشاورات، وتوجيه جهود الاتحاد نحو قضايا بعينها، مما يجعلها الطرف الأكثر تأثيراً في صياغة ردود الفعل الإفريقية تجاه الأزمات الراهنة.
تكتسب هذه الرئاسة أهمية قُصْوى للقاهرة، إذ تتيح لها منصّة شرعية وقانونية للدفاع عن أمنها القومي المرتبط عضوياً باستقرار دوائر نفوذها في حوض النيل والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا.
وتسعى مصر من خلال هذا المنصب إلى تعزيز دورها كقائد إقليمي قادر على طرح حلول "إفريقية للأزمات الإفريقية"، وهو ما يقلص من التدخُّلات الخارجية التي قد تتقاطع مصالحها مع الثوابت المصرية.
كما توفّر الرئاسة فرصة لحشد التأييد القاري للمواقف المصرية في الملفّات الحيوية، وعلى رأسها ملفّ الأمن المائي والتوازُن العسكري في منطقة شرق إفريقيا، فضلاً عن تعزيز حضور الشركات المصرية في مشروعات إعادة الإعمار في مناطق النزاعات.
ويُتوقَّع أن يرتكز التحرك المصري خلال فترة الرئاسة على أربع ملفّات رئيسية:
●الأزمة السودانية: وضع السودان كأولوية قُصْوى عَبْر محاولة تفعيل مسارات التفصيل الإفريقية، والعمل على تنسيق الجهود بين دول الجوار لمنع انهيار مؤسسات الدولة، مع التركيز على الجوانب الإنسانية ووقف إطلاق النار الإستراتيجي.
●القرن الإفريقي والصومال: دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه، خاصة في ظلّ التوتُّرات مع إثيوبيا بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، والعمل على تعزيز قدرات الجيش الصومالي في مواجهة حركة "الشباب" مع قرب انتهاء مهامّ البعثات الدولية.
●مكافحة الإرهاب في الساحل: نقل الخبرة المصرية في مكافحة الإرهاب إلى دول غرب إفريقيا والساحل، وتقديم الدعم الفني واللوجستي لمواجهة تمدُّد التنظيمات المسلحة في تلك المنطقة التي شهدت انسحاب القُوَى الدولية التقليدية.
●إعادة الإعمار والتنمية: تفعيل مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات (الذي تستضيفه القاهرة)، لتحويل التركيز من مجرد "إسكات البنادق" إلى مرحلة البناء والتنمية المستدامة لمنع تجدُّد الصراعات.
وتدفع مصر باتجاه تفعيل "خطة العمل العشرية الثانية" لأجندة 2063، مع التركيز على مشاريع الربط البِنْيويّ والقارّي، مثل طريق "القاهرة-كيب تاون" ومشروعات الربط الكهربائي، باعتبارها أدوات لتعزيز الاعتماد المتبادل بين الدول الإفريقية وتقليل فرص الصدامات المسلحة.
ويمثل تركيزُ الرئاسة المصرية على استضافةِ "مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات" وتفعيلِهِ التطبيقَ العمليَّ لهذا التقاطع؛ إذ يعمل المركز كآلية لتحويل مخرجات أجندة 2063 إلى برامج تنفيذية في الدول الخارجة من صراعات، مما يضمن استدامة السلام عَبْر بوابة النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وتُعَدّ "أجندة 2063" الإطار الإستراتيجي للاتحاد الإفريقي الذي يهدف إلى تحويل القارة إلى قوة عالمية من خلال التنمية الشاملة والمستدامة، وهي ترتكز على سبعة طموحات رئيسية تشمل الرخاء، والاندماج السياسي، والحَوْكَمة الرشيدة، والسِّلْم والأمن.
وتواجه الرئاسة المصرية مجموعة من التحدِّيَات الهيكلية والميدانية، لعل أبرزها هو الاستقطاب الحادّ داخل القارة تجاه بعض النزاعات، مما قد يعيق الوصول إلى إجماع في مجلس السِّلْم والأمن.
كما تبرز عقبة "محدودية الموارد المالية" للاتحاد الإفريقي، حيث تظلّ عمليات حفظ السلام والتدخُّلات العسكرية تعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي، مما يقيد استقلالية القرار الإفريقي.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل "تعدُّد المبادرات" (مثل مبادرات الإيجاد، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمبادرات الدولية) تحدِّياً أمام القاهرة لتوحيد المسارات تحت مِظلّة الاتحاد الإفريقي.
كما أن التحوُّلات المتسارعة في منطقة الساحل وبروز تحالُفات عسكرية جديدة بعيداً عن "إيكواس" يفرض واقعاً جيوسياسياً مُعقَّداً يَصعب التعامل معه بالأدوات الدبلوماسية التقليدية.
إنّ نجاح مصر في هذه الرئاسة سيعتمد بشكل أساسي على قدرتها على الموازنة بين دورها كـ "وسيط نزيه" في الصراعات القارّية وبين حماية مصالحها القومية المُباشِرة.
ومن المرجَّح أن تركز القاهرة على "الدبلوماسية الهادئة" وبناء التحالفات الثنائية داخل المجلس لضمان تمرير قرارات تدعم الاستقرار الهيكلي للدول القومية الإفريقية، مع محاولة دفع المجتمع الدولي لتقديم دعم مالي وتقنيّ غير مشروط للمبادرات الأمنية الإفريقية.




