انطلاق محادثات سلام جديدة شرق الكونغو وسط تصاعُد العنف

  • الرئيسية
  • انطلاق محادثات سلام جديدة شرق الكونغو وسط تصاعُد العنف
Cass Banener Image
انطلاق محادثات سلام جديدة شرق الكونغو وسط تصاعُد العنف

انطلاق محادثات سلام جديدة شرق الكونغو وسط تصاعُد العنف

بدأت جولة جديدة من محادثات السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ضِمن "مسار نيروبي"، في محاولة للحدّ من انتشار العنف، والذي شهد تغيُّراً في أنماطه وانتشاره الجغرافي، فبدلاً من تمركز الاشتباكات في المدن الكبرى أو محيطها، انتقلت بؤر التوتر تدريجياً نحو مناطق المرتفعات النائية في شرق البلاد، ما يعكس تحوُّلاً تكتيكياً لدى الجماعات المسلحة ويطرح تحدِّيَات جديدة أمام جهود الوساطة الإقليمية.

ويُعَدّ مسار نيروبي إطاراً تفاوضياً أُطلق عام 2022 بقيادة الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا لمعالجة النزاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية عَبْر حوار بين الحكومة والجماعات المسلحة، بدعم إقليمي من مجموعة شرق إفريقيا. ويهدف إلى وقف إطلاق النار ونزع السلاح وإعادة الإدماج، لكنه واجه تعثُّراً متكرراً بسبب استمرار القتال وتعدُّد الفاعلين المسلحين.

التحول الجغرافي في خريطة انتشار العنف لا يمكن فصله عن الضغوط العسكرية المتزايدة على الفصائل المسلحة في المناطق الحضرية وشِبه الحضرية، حيث أدى انتشار القوات الحكومية وتعزيز حضور بعثات حفظ السلام إلى تقليص هامش حركة هذه الجماعات.

ونتيجة لذلك، لجأت تلك الفصائل إلى إعادة التموضع في المناطق الوعرة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، والتي توفر لها مزايا دفاعية طبيعية، فضلاً عن صعوبة وصول القوات النظامية إليها. هذا النمط من “الانسحاب التكتيكي” لا يعني تراجُعاً في القدرة القتالية بقدر ما يعكس إعادة تنظيم وانتشار يطيل أمد الصراع ويعقّد إمكانية احتوائه.

في هذا السياق، تكتسب محادثات السلام الجديدة أهمية مضاعفة، إذ تأتي في لحظة يُعاد فيها تشكيل موازين القوة على الأرض. فقيادة أوهورو كينياتا للعملية التفاوضية تعكس استمرار الرهان الإقليمي على خبرته في إدارة الملفات المعقدة في منطقة البحيرات العظمى، كما تشير إلى رغبة دول الجوار في منع انزلاق الوضع إلى مستويات أعمق من عدم الاستقرار، قد تمتد تداعياتها عَبْر الحدود.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجولة يظلّ رهناً بمدى قدرة الوسطاء على إدماج التحولات الميدانية في مقاربة التفاوض، بدلاً من الاعتماد على صيغ سابقة لم تَعُدْ تعكس الواقع الحالي.

إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه هذه المحادثات تتمثل في تزايُد عدد الفاعلين المسلحين وتفتُّت هياكلهم القيادية، وهو ما يقلل من فرص التوصل إلى اتفاق شامل وملزم. فالجماعات التي أعادت انتشارها في المرتفعات غالباً ما تتمتع بدرجة أعلى من الاستقلالية العملياتية، ما يجعل التزامها بأي اتفاق مركزي أمراً غير مضمون. كما أن هذه المناطق تشهد تداخُلاً بين أنشطة التمرد والاقتصاد غير المشروع، بما في ذلك التعدين غير القانوني وتهريب الموارد، وهو ما يوفر حوافز مالية لاستمرار العنف.

من جهة أخرى، يفرض البُعد الإنساني نفسه بقوة على أجندة التفاوض، إذ يؤدي انتقال القتال إلى المناطق النائية إلى تفاقم معاناة السكان المحليين، الذين يجدون أنفسهم معزولين عن المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية. هذا الوضع يخلق ضغطاً إضافياً على الوسطاء الدوليين والإقليميين لدفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار، ولو بشكل مرحلي، لتسهيل الوصول الإنساني. غير أن التجارب السابقة تشير إلى هشاشة مثل هذه التفاهمات في ظلّ غياب آليات رقابة فعّالة.

كما أن البيئة الإقليمية تؤدي دوراً حاسماً في تحديد مآلات هذه الجولة. فالتنافس غير المباشر بين بعض دول الجوار، سواء عبر الدعم السياسي أو اللوجستي لفصائل معينة، يظل عاملاً معرقِلاً لأي تسوية مستدامة. وفي هذا الإطار، فإن قدرة أوهورو كينياتا على تأمين توافق إقليمي أوسع قد تكون العامل الفاصل بين نجاح المحادثات أو تعثرها، خصوصاً في ظلّ الحاجة إلى تنسيق أمني يعالج جذور الصراع عبر الحدود.

في المحصِّلة، تعكس هذه الجولة من محادثات السلام مفارقة أساسية: فهي تنطلق في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلّ سياسي، لكنها تواجه في المقابل واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً وتشظياً. إن انتقال العنف إلى المرتفعات النائية لا يغيّر فقط جغرافيا الصراع، بل يعيد تشكيل قواعده، ما يستدعي مقاربة تفاوضية أكثرَ مرونة وابتكاراً، تأخذ في الاعتبار الطبيعة المتحولة للتهديدات والفاعلين. ومن دون ذلك، قد تنضم هذه الجولة إلى سلسلة المحاولات غير المكتملة التي لم تنجح في تحقيق استقرار دائم في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 



مواد ذات صلة
مقتل أحد أبرز قيادات داعش في بوركينا فاسو
انتخابات الكونغو تُعيد إنتاج النظام السياسي‎