أثّرت الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا على الاقتصاد في كثير من مناطق العالم، وجد بعضها تقنيات تجاوز الأزمة، بينما استمر التأثير الكبير على اقتصادات الدول الإفريقية وخاصة ذات الدخل المنخفض.
يناقش الخبير في عالم الأعمال والتكنولوجيا فينسنت أوينو Vincent Owino من نيروبي في مقاله الذي نشره بمجلةThe East African أسباب التأثر الكبير الذي تركته الحرب شرق أوروبا على كثير من الاقتصادات الإفريقية، وتداعيات ذلك على القارة والعالم.
نص الترجمة
لا تزال الاقتصادات الإفريقية تعاني من التداعيات العميقة التي سببها غزو روسيا لأوكرانيا رغم مرور 3 سنوات على هذا الصراع، إذ تواجه تلك الاقتصادات تضخُّماً متفاقماً، واضطرابات في سلاسل التوريد، وضغوطاً متزايدة على المالية العامة.
في شرق القارة الإفريقية ورغم استمرار الاضطرابات في جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد شهدت بقية الدول استقراراً في معدلات التضخم، حيث حافظت على مستوياتها المستهدَفة لما يقارب العام، ومع ذلك لا تزال أسعار العديد من السلع الأساسية مرتفعة بمعدلات تفوق قدرة المستهلكين الشرائية، فيما تستمر عملية استنزاف خزائن الدول في مواجهة الضغوط الاقتصادية، وفقاً لدراسة حديثة حول تأثير الحرب على القارة.
وفي هذا السياق، لا تزال كينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا تكافح للتقليل من عمليات الاقتراض، حيث اضطرت إلى تحمُّل تكاليف باهظة للحصول على قروض جديدة، مما زاد من أخطار أزمة الديون، خاصة بعد أن رفعت جائحة كوفيد 19 والصراع في أوكرانيا ديونها العامة إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم أن الحرب تدور على بُعد آلاف الأميال عن القارة، إلا أن ارتداداتها زعزعت الاقتصادات الإفريقية كافة، حيث سارع المستثمرون -لا سيما في السندات السيادية وأسواق رأس المال- إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً، خشية تفاقُم الخطر، ومنذ ذلك الحين اجتذبت العديد من سندات اليوروبوند Eurobonds (السندات الدولية التي تُصدرها الحكومات أو الشركات بعملة أجنبية غير عملة الدولة المُصدِرة، وتُباع للمستثمرين في الأسواق العالمية) الإفريقية عوائد مرتفعة، مما أدى إلى سلسلة من حالات التخلف عن السداد، بدءاً من غانا وزامبيا، ثم إثيوبيا في أواخر عام 2023، فيما بات ما لا يقل عن 10 دول أخرى، من بينها كينيا على حافة التخلف عن السداد.
ورغم أن أزمة الديون في إفريقيا لا تعود بالكامل إلى الصراع الروسي الأوكراني فإن الحرب فاقمت الأزمة المالية في القارة، ولا تزال العديد من اقتصاداتها تكافح للتعافي.
وفي هذا الصدد، توضح فيليس باباديفيد Phyllis Papadavid الخبيرة الاقتصادية والباحثة البارزة في معهد التنمية الخارجية (ODI) بلندن، قائلة:
عند اندلاع الحرب، يميل المستثمرون إلى تجنُّب المخاطر بشكل أكبر، مما يؤثر سلباً على تدفُّق الاستثمارات إلى عدد من الاقتصادات، وهذا ما حصل في الحالة الإفريقية، وقد يكون ذلك أحد العوامل التي ساهمت في تباطُؤ النمو في بعض الدول.
إضافة إلى ذلك، لم تتمكن العديد من الدول من تحقيق تحسُّن في الإنتاجية، ما أدى إلى جانب تراجُع الاستثمارات إلى تفاقُم عبء الديون بشكل متزايد، وبالتالي لم يترجم الاقتراض إلى استثمارات منتجة أو إلى تحوُّل اقتصادي حقيقي".
يأتي هذا في ظلّ ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، مدفوعاً برفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، مما أدى إلى تفاقُم تكاليف الاقتراض، حيث لا يزال العديد من الأفارقة يواجهون أسعار فائدة تصل إلى 20% على القروض الشخصية والتجارية.
أما أسعار الحبوب -لا سيما الذرة والقمح والأرز التي يُنتَج معظمها في أوروبا الشرقية- فقد شهدت ارتفاعاً حادّاً بعيدة عن مستوياتها السابقة التي سبقت اندلاع جائحة كوفيد 19، فضلاً عن أن أسعارها في ازدياد، وسط مخاوف الباحثين من أن هذه الأسعار قد لا تعود إلى سابق عهدها.
وفيما يتعلق بأسعار الوقود، التي شهدت ارتفاعاً هائلاً عقب اندلاع الحرب عام 2022، فلم تنخفض إلا بشكل طفيف، في حين لا تزال أسعار الطاقة مرتفعة في أجزاء واسعة من إفريقيا، متأثرةً بتداعيات الصراع.
يُشير الباحثون في معهد التنمية الخارجية إلى أنه بينما بدأت معظم دول العالم في التعافي من الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب، لا تزال الاقتصادات الإفريقية ذات الدخل المنخفض تعاني من تأثيرات الصراع المستمر منذ 3 سنوات، ففي دراسة نشرها المعهد هذا الأسبوع حول تأثير الحرب على اقتصادات إفريقيا، قال الباحثون: تمكنت بعض الدول من تخفيف الأثر الاقتصادي للصراع، إلا أن الدول ذات الدخل المنخفض التي تفتقر إلى الدعامات الاقتصادية القوية والقدرة على التكيّف مع الصدمات لا تزال تتأثر باضطرابات عنيفة وطويلة الأمد.
وتشير الدراسة المعروفة باسم "تأثير الحرب بين روسيا وأوكرانيا على إفريقيا" إلى أن الاقتصادات الإفريقية ليست كلها على نفس المستوى من التقدُّم في التخلص من آثار الصراع في أوروبا الشرقية، ويزعم الخبراء أن كينيا -على سبيل المثال- حققت نتائج أفضل كثيراً من غيرها في هذا المجال.
في نهاية المطاف، تعتمد وَتِيرة التعافي من آثار الحرب الاقتصادية بشكل كبير على البِنْية الأساسية الرقمية المتاحة والمعرفة التكنولوجية أو القدرة التصنيعية للدول.
وتقول السيدة باباديفيد: "تواجه الدول ذات الدخل المنخفض في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا تحدياً كبيراً في تبنّي التقنيات الرقمية وآليات السياسات الصناعية التي من شأنها أن تعزز التحوُّل الاقتصادي، بينما أوروبا قد تمتعت بتلك الإمكانيات".
كما تقول الخبيرة الاقتصادية: إن الخروج من هذا الوضع لن يتطلب أيّ تدخُّلات جديدة، ولكن التدخُّلات النقدية والمالية التي تستهدف مالية الحكومة والتضخم على التوالي، لا بد أن تقترن بسياسات بناء القدرة على التحمُّل، وهي مجموعة من السياسات والإستراتيجيات التي تهدف إلى تعزيز قدرة الأفراد، والمجتمعات، والاقتصادات على الصمود والتكيّف في مواجهة الصدمات والأزمات الاقتصادية أو البيئية أو الاجتماعية.
وتضيف باباديفيد: "الأمر الأكثر أهمية هو أننا نشعر أن الطريقة التي يتم بها تخصيصُ الإيرادات الحكومية وإنفاقها وإعطاؤها الأولوية يجب أن تعزز التحوُّل الاقتصادي والنمو المتوازن على المدى الطويل".
المصدر: The East African
ترجمة: عبدالحميد فحام