تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة تصاعُداً واضحاً في عسكرة قطاع التعدين، في ظلّ تزايُد اعتماد الدولة على الجيش والقوات الأمنية لحماية المناجم وممرات نقل المعادن الإستراتيجية، خصوصاً في شرق البلاد. ويأتي هذا التوجه نتيجة التداخل المعقد بين الصراع المسلح، والاقتصاد غير المشروع، والتنافس الدولي على الموارد النادرة، ما جعل قطاع التعدين يتحول من رافعة اقتصادية محتملة إلى أحد أبرز محركات عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد.
تمتلك الكونغو الديمقراطية احتياطيات هائلة من المعادن الحيوية، تشمل الكوبالت، والنحاس، والكولتان، والذهب، والليثيوم، وهي معادن تدخل بشكل مباشر في الصناعات التكنولوجية العالمية، بما في ذلك البطاريات والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات.
ومع تسارُع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، ازدادت الأهمية الجيوسياسية لهذه الموارد، الأمر الذي رفع مستوى التنافس الدولي حولها، سواء عبر الشركات متعددة الجنسيات أم عبر شبكات النفوذ الإقليمية.
غير أن هذه الثروة المعدنية تتركز في مناطق تعاني تاريخياً من هشاشة الدولة وضعف السيطرة الحكومية، خاصة في إقليمَيْ شمال كيفو وجنوبها، وإيتوري، والمناطق الحدودية مع رواندا وأوغندا.
وقد استغلت الجماعات المسلحة هذا الواقع للسيطرة على المناجم أو فرض الإتاوات على عمليات التعدين والنقل، ما أدى إلى نشوء ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الحرب المعدني”، حيث أصبحت المعادن مصدراً رئيسياً لتمويل الميليشيات واستمرار النزاع.
في هذا السياق، اتجهت الحكومة الكونغولية إلى توسيع الدور العسكري في حماية قطاع التعدين، عبر نشر وحدات من الجيش حول المناجم الإستراتيجية، وتعزيز الحضور الأمني على طرق النقل والمعابر الحدودية.
كما برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على دمج أكبر بين المصالح الأمنية والاقتصادية، بحيث باتت حماية المناجم تُقدَّم بوصفها جزءاً من الأمن القومي الكونغولي، وليس مجرد مهمة اقتصادية أو شرطية.
لكن هذه العسكرة تحمل في طيّاتها عدة إشكاليات معقدة. فمن جهة ترى السلطات أن الوجود العسكري ضروري لمنع الجماعات المسلحة من السيطرة على الموارد أو استخدامها في تمويل عملياتها.
كما أن الحكومة تسعى إلى طمأنة المستثمرين الدوليين، خصوصاً في قطاع المعادن الإستراتيجية، بأن الدولة قادرة على حماية الاستثمارات وضمان استمرار الإنتاج والتصدير.
ومن جهة أخرى، تواجه هذه المقاربة انتقادات واسعة بسبب سجل بعض الوحدات العسكرية في الفساد والانخراط غير المباشر في شبكات التعدين غير القانوني. فبدلاً من إنهاء الاقتصاد الموازي، قامت بعض العناصر العسكرية بالمشاركة في فرض الرسوم غير الرسمية، أو توفير الحماية لشبكات التهريب، أو الدخول في تفاهمات مع جماعات محلية مسلحة. وبذلك، تحولت عسكرة المناجم من أداة لضبط الفوضى إلى جزء من البنية الاقتصادية للنزاع نفسه.
كما أن عسكرة التعدين تعكس تصاعُد البُعد الجيوسياسي للأزمة الكونغولية. فالمعادن الموجودة في شرق الكونغو أصبحت جزءاً من التنافس الدولي بين القوى الكبرى، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة.
وفي هذا الإطار، تنظر بعض القوى الدولية إلى استقرار مناطق التعدين باعتباره قضية إستراتيجية تتجاوز حدود الكونغو نفسها. ولذلك يتزايد الاهتمام الدولي ببناء سلاسل توريد “آمنة” و”خالية من النزاعات”، وهو ما يدفع الحكومة الكونغولية إلى تقديم المقاربة الأمنية باعتبارها شرطاً لحماية هذه السلاسل.
إقليمياً، يزيد الوضع تعقيداً بسبب الاتهامات المتبادلة بين الكونغو ورواندا بشأن دعم جماعات مسلحة تنشط قرب مناطق التعدين، خصوصاً حركة “إم23”.
وتتهم كينشاسا أطرافاً إقليمية بالسعي للاستفادة من تهريب المعادن أو توظيف الجماعات المسلحة كورقة نفوذ داخل الشرق الكونغولي. ونتيجة لذلك، أصبحت مناطق التعدين جزءاً من صراع نفوذ إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الأمنية بالاعتبارات الاقتصادية.
وفي المدى المنظور، يُتوقع أن تستمر عسكرة حماية المناجم، بل وربما تتوسع، مع تزايُد أهمية المعادن الإستراتيجية في الاقتصاد العالمي.
إلا أن نجاح هذه السياسة سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على إصلاح المؤسسة العسكرية، وفرض الرقابة على شبكات الفساد، ودمج المجتمعات المحلية في عوائد الثروة المعدنية. فالمقاربة العسكرية وحدها قد توفر حماية مؤقتة للمناجم، لكنها لن تعالج جذور الأزمة المرتبطة بضعف الحوكمة، والتهميش، واقتصاد الحرب.
وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الكونغو الديمقراطية لا يتمثل فقط في تأمين المناجم، بل في منع تحول الموارد الطبيعية إلى عامل دائم لإدامة الصراع. فكلما بقيت المعادن مصدراً للنفوذ المسلح والاقتصاد غير الرسمي، ستظل عسكرة التعدين جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة الكونغولية وحدود سيادتها الفعلية على مناطقها الشرقية.




