تشهد منطقة "غدو" في جنوب الصومال تصاعُداً متجدداً في التوتر السياسي والأمني بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وولاية جوبالاند، في تطوُّر يعكس عُمق الأزمة البِنْيويّة التي تعاني منها العلاقة بين مقديشو والولايات الفيدرالية، ويؤكد أن "غدو" باتت تمثل إحدى أهم ساحات الصراع على النفوذ والشرعية داخل الدولة الصومالية.
وخلال الأسبوع الثاني من مايو، برزت مؤشرات جديدة على تصعيد متبادل بين الطرفين، تمثلت في تحرُّكات سياسية وأمنية مرتبطة بمدينتَيْ دولو وبلد حواء، إلى جانب تصاعُد الخلاف بشأن إدارة مطار دولو والوجود الأمني والإداري داخل الإقليم.
وتأتي هذه التطورات في سياق صراع ممتد منذ سنوات بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس ولاية جوبالاند أحمد محمد إسلام “مدوبي”، حول حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية وطبيعة النظام الفيدرالي ومستقبل الترتيبات الانتخابية والأمنية في البلاد.
تكتسب "غدو" أهمية إستراتيجية استثنائية لعدة أسباب؛ فهي تمثل البوابة البرية بين الصومال وإثيوبيا وكينيا، كما تشكل عقدة لوجستية مهمة للتحركات العسكرية والتجارية والإنسانية. كذلك، فإن السيطرة على مدن مثل دولو وبلد حواء تمنح أي طرف نفوذاً مباشراً على خطوط الإمداد والمعابر الحدودية، فضلاً عن التأثير على التوازنات العشائرية في جنوب الصومال.
ومنذ الأزمة الحادة بين مقديشو وجوبالاند عام 2019، تحولت "غدو" إلى منطقة نفوذ متنازَع عليها. ففي حين تعتبرها جوبالاند جزءاً أساسياً من سلطتها الإدارية، عملت الحكومة الفيدرالية تدريجياً على بناء شبكات نفوذ محلية داخل الإقليم، مستفيدة من الانقسامات العشائرية ومن دعم بعض القيادات السياسية والأمنية المعارضة لمدوبي.
وفي الأسابيع الأخيرة، ظهرت مؤشرات على سعي الحكومة الفيدرالية إلى تعزيز وجودها في دولو، سواء عَبْر ترتيبات أمنية أو عَبْر دعم شخصيات محلية محسوبة عليها، في خُطوة فسرتها جوبالاند باعتبارها محاولة لتقويض سلطتها داخل غدو وإعادة رسم موازين القوة في الجنوب. كما أعادت التحركات الأخيرة اسم عبد الرشيد حسن جنان إلى الواجهة، بوصفه أحد أبرز الفاعلين المرتبطين بالنفوذ الفيدرالي داخل المنطقة، وهو ما أثار مخاوف جوبالاند من احتمال استخدامه لإعادة بناء تحالفات محلية مناوئة لها.
في المقابل، حاولت جوبالاند توجيه رسائل ردع واضحة عبر استعراضات وتحركات عسكرية قرب بلد حواء، إلى جانب تصعيد خطابها السياسي ضدّ مقديشو، متهمة الحكومة الفيدرالية بالسعي لفرض أمر واقع بالقوة واستغلال مؤسسات الدولة لتصفية الخصوم السياسيين.
كما اتهمت جوبالاند الحكومة بالتسبب في تعطيل الحركة الجوية بمطار دولو، في مؤشر إضافي على احتدام التنافس حول أدوات السيطرة الإدارية واللوجستية في الإقليم.
ويبدو أن الأزمة الحالية تتجاوز مجرد خلاف محلي حول النفوذ الإداري، إذ ترتبط بصورة مباشرة بالتحضيرات السياسية والانتخابية المقبلة في الصومال. فمقديشو تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية في الولايات الفيدرالية بما يضمن تقليص نفوذ خصومها الإقليميين، بينما ترى جوبالاند أن ما يجري يمثل محاولة لإضعاف استقلالية الولايات وإعادة تركيز السلطة بيد الحكومة المركزية.
كما تؤدي العوامل الإقليمية دوراً مهماً في تعقيد المشهد، خصوصاً مع الوجود الإثيوبي غير المباشر في منطقة دولو الحدودية، وحساسية المنطقة بالنسبة للتحركات الأمنية المرتبطة بمحاربة حركة الشباب. وتخشى أطراف عدة من أن يؤدي استمرار التوتر بين مقديشو وجوبالاند إلى إضعاف التنسيق الأمني في جنوب البلاد، بما يمنح حركة الشباب فرصة لإعادة التمدد واستغلال الانقسامات السياسية القائمة.
وبناءً على التطورات الحالية، يُتوقَّع أن تستمر الحكومة الفيدرالية في تعزيز حضورها داخل "غدو"، مقابل تحرُّكات مضادّة من جوبالاند، بما قد يقود إلى اشتباكات محدودة أو صدامات أمنية بالوكالة بين القُوَى المحلية المتحالفة مع الطرفين.
وفي حال نجاح أحد الطرفين –غالباً الحكومة الفيدرالية– في فرض ترتيبات جديدة داخل "غدو" عَبْر توظيف الأدوات الأمنية والعشائرية والإدارية، فإن ذلك سيفتح الباب أمام أزمة أوسع مع جوبالاند ويزيد هشاشة النظام الفيدرالي الصومالي.
في المحصِّلة، تكشف أزمة "غدو" أن الصراع بين مقديشو وجوبالاند لم يَعُدْ مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع حول شكل الدولة الصومالية وتوزيع السلطة داخلها. ومع غياب تسوية سياسية شاملة بين المركز والولايات، تبدو "غدو" مرشَّحة للبقاء إحدى أكثر الساحات قابلية للاشتعال في جنوب الصومال خلال المرحلة المقبلة.




