صراع القاعدة والدولة يُعيد تشكيل الساحل الإفريقي

  • الرئيسية
  • صراع القاعدة والدولة يُعيد تشكيل الساحل الإفريقي
Cass Banener Image
صراع القاعدة والدولة يُعيد تشكيل الساحل الإفريقي

صراع القاعدة والدولة يُعيد تشكيل الساحل الإفريقي

تتحول منطقة الساحل الإفريقي بشكل متسارع إلى ساحة لصراع جيوسياسي واقتصادي معقَّد، حيث يتجاوز التنافس بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى الخلافات الأيديولوجية ليصبح حرباً شاملة على الموارد والولاءات القَبَلية.

ويتجلى هذا الصراع بوضوح في نطاق جغرافي واسع يمتد من شمال مالي، مروراً بمناطق “ليبتاكو-غورما” الحدودية بين النيجر وبوركينا فاسو، وصولاً إلى أطراف شمال بنين، حيث تتداخل الحدود الضعيفة مع شبكات التهريب ومسارات الرعي التقليدية، ما يخلق بيئة مثالية لتنامي اقتصاد الحرب.

ويمثل التحكم في “اقتصاد الظل” المحرك الرئيسي لهذا الصراع؛ إذ تسعى التنظيمات للسيطرة على طرق التهريب العابرة للصحراء، خاصة تلك التي تمر عبر مدن مثل غاو وكيدال في شمال مالي، وصولاً إلى الممرات المؤدية نحو ليبيا والجزائر.

هذه الطرق لا تنقل فقط السلع غير المشروعة كالمخدرات والأسلحة والسجائر، بل أصبحت شرايين مالية حيوية تمكّن الجماعات المسلحة من فرض الإتاوات وتنظيم الحركة التجارية غير الرسمية. كما برزت مناطق مثل تيلابيري وسوم كمراكز نشاط مكثف، حيث تتقاطع طرق التهريب مع بُؤَر التوتر الأمني.

إلى جانب ذلك، برز تعدين الذهب الحرفي كمصدر تمويل إستراتيجي، خصوصاً في مناطق مثل كاييس وساحل بوركينا فاسو الشمالي، حيث تفرض الجماعات المسلحة سيطرتها على المناجم التقليدية وتفرض “إتاوات حماية” على العمال المحليين.

هذه العوائد المالية الضخمة، غير الخاضعة للرقابة، تمنح التنظيمات قدرة متزايدة على شراء الأسلحة وتجنيد المقاتلين، ما يعزز دورة العنف ويجعل الاقتصاد المحلي رهينة لسلطة الأمر الواقع.

في هذا السياق، تؤدي التوازُنات القَبَلية دوراً محورياً في تشكيل مسارات الصراع. إذ تعتمد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إستراتيجية “الاحتواء”، من خلال الاندماج الاجتماعي مع قبائل مثل الفولاني والطوارق والعرب، وتقديم نفسها كحامٍ لمصالحها في النزاعات المحلية.

على سبيل المثال، في وسط مالي، خاصة في منطقة موبتي، استغلت الجماعة التوترات بين الفولاني ومجتمعات الدوجون الزراعية، مقدمة الدعم للفولاني الذين شعروا بالتهميش، ما منحها قاعدة اجتماعية متماسكة.

في المقابل، ينتهج تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى أسلوب “التثوير”، حيث يستقطب الشباب المهمشين، خصوصاً من الفولاني، ويحرّضهم ضد الزعامات التقليدية، ما يؤدي إلى تفكيك البِنْية القَبَلية من الداخل. وقد تجلّى هذا النمط في مناطق مثل مينكا، حيث اندلعت اشتباكات بين فصائل موالية للتنظيم وأخرى مرتبطة بالقاعدة، متداخلة مع نزاعات محلية على النفوذ والموارد.

هذا الاستقطاب العِرْقي أدى إلى وصم جماعات كاملة بالإرهاب، خصوصاً الفولاني في عدة مناطق، ما دفع قبائل أخرى مثل الدوجون أو بعض الطوارق إلى تشكيل ميليشيات دفاع ذاتي. ونتيجة لذلك، تحوّل الصراع تدريجياً من مواجهة بين الدولة والجماعات المسلحة إلى نزاعات أهلية ذات طابع إثني، كما حدث في مجازر متبادلة شهدتها مناطق وسط مالي وشمال بوركينا فاسو.

ويتقاطع هذا المشهد مع أزمة الموارد الطبيعية المتفاقمة نتيجة التغير المناخي، حيث أدى التصحر وتراجع الأمطار إلى تقليص مساحات الرعي ومصادر المياه.

في مناطق مثل تيلابيري والحدود مع بوركينا فاسو، أصبحت السيطرة على الآبار ومسارات الرعي مسألة حياة أو موت، ما دفع الجماعات الجهادية إلى استغلال هذا الواقع عبر تمكين القبائل الموالية لها من الوصول إلى هذه الموارد، مقابل الولاء والدعم.

هذا الربط بين “البندقية” و“تأمين سُبُل العيش” جعل من الانتماء إلى هذه التنظيمات خياراً اقتصادياً واجتماعياً، وليس فقط أيديولوجياً. ومع انسحاب أو تقليص وجود القوات الدولية، برزت هذه الجماعات كسلطات بديلة تدير الأسواق المحلية، وتفرض “الزكاة القسرية”، وتفصل في النزاعات، ما يعزز حضورها كبديل للدولة في المناطق المهمشة.

وفي ظلّ هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى محاولات التمدُّد جنوباً نحو دول خليج غينيا، خصوصاً بنين وتوغو، حيث تسعى هذه التنظيمات للوصول إلى منافذ بحرية وأسواق جديدة. هذا التوسع المحتمل لا يهدد فقط بنقل العنف، بل أيضاً بنقل نموذج “اقتصاد الحرب” القائم على استغلال الموارد والانقسامات القَبَلية، ما ينذر بتوسيع رقعة عدم الاستقرار إلى مناطق كانت تُعَدّ حتى وقت قريب أكثر استقراراً.

 



مواد ذات صلة
لوبيات الفساد وصفقات الدولة في تونس
لقاء ليبي ثلاثي في القاهرة