إضراب الوقود يشلّ جُزُر القمر

Cass Banener Image
إضراب الوقود يشلّ جُزُر القمر

إضراب الوقود يشلّ جُزُر القمر

تشهد جزر القمر منذ 12 مايو 2026 حالة شَلَل شِبه كامل في قطاعاتها الحيوية، عقب اندلاع إضراب عامّ واسع قاده قطاع النقل والمواصلات احتجاجاً على قرار حكومي برفع أسعار المحروقات، في خُطوة بررتها السلطات بارتفاع تكاليف الاستيراد والضغوط المالية المتزايدة على الموازنة العامة. ويأتي القرار في سياق موجة ارتفاعات عالمية بأسعار الطاقة والشحن البحري خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد اضطرابات أسواق النفط المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط وممرات الملاحة الدولية. 

بدأت شرارة الإضراب في العاصمة "موروني"، قبل أن تمتد سريعاً إلى معظم مناطق جزيرة "القمر الكبرى"، مع مؤشرات متزايدة على انتقال الحراك إلى جزيرتَيْ "أنجوان" و"موهيلي". 

وقد أدى توقُّف سائقي الحافلات وسيارات الأجرة ومركبات الشحن عن العمل إلى تجميد شِبه كامل للحركة اليومية، وتعطُّل المدارس والمؤسسات التعليمية، فضلاً عن شَلَل جزئي في الإدارات الحكومية نتيجة عجز الموظفين عن الوصول إلى مقار أعمالهم. 

وامتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع التجاري، حيث شهدت سوق "ڤولوڤولو" المركزية – الأكبر في العاصمة – إغلاقاً جزئياً استجابة لدعوات نقابية وشعبية لتوسيع نطاق الإضراب التجاري، الأمر الذي يعكس انتقال الأزمة تدريجياً من احتجاج معيشي محدود إلى حراك اجتماعي أوسع يحمل أبعاداً سياسية متصاعدة. 

ولا يمكن فصل هذا التطور عن التراكمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات؛ إذ تعتمد جزر القمر بصورة شِبه كاملة على الواردات لتأمين احتياجاتها من الغذاء والمحروقات، ما يجعلها شديدة التأثر بالتقلبات العالمية في أسعار الطاقة والنقل البحري. 

كما تعاني البلاد من ضعف البنية الإنتاجية، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، إلى جانب تآكُل القدرة الشرائية بفعل التضخم المستمر وارتفاع تكاليف المعيشة. 

ويبدو أن قرار رفع أسعار الوقود جاء في توقيت شديد الحساسية، في ظلّ شعور شعبي متنامٍ بأن الحكومة تنقل أعباء الأزمة الاقتصادية إلى المواطنين دون تقديم حلول موازية للحماية الاجتماعية. 

وترافقت الأزمة مع تصاعُد الانتقادات الموجَّهة إلى الدوائر التنفيذية المقرَّبة من السلطة، خاصة ما يتعلق بتوسيع صلاحيات اللجان الاستثنائية التابعة للأمانة العامة للحكومة، والتي ترى فيها قطاعات من المعارضة والنخب المدنية أداة لتركيز النفوذ السياسي والاقتصادي وإضعاف المؤسسات الرقابية والدستورية. 

سياسياً، أظهر الإضراب قدرة لافتة للمعارضة – داخل البلاد وخارجها – على التنسيق الميداني والإعلامي، مستفيدة من حالة الاحتقان الشعبي الواسعة. وقد تجاوزت بعض الشعارات المطالب الاقتصادية المباشرة، لتصل إلى الدعوة لتغيير الحكومة وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، ما يشير إلى احتمال تحول الأزمة المعيشية إلى تحدٍّ سياسي مباشر للنظام. 

وفي المقابل، كشفت الأزمة عن تبايُن داخل دوائر الحكم بشأن كيفية التعامل مع الاحتجاجات. فبينما يدفع الجناح الأمني نحو تشديد الإجراءات واعتقال النشطاء والنقابيين لمنع توسُّع الحراك، تبدو مؤسسة الرئاسة أكثر حذراً في استخدام القوة، خشية أن يؤدي القمع المباشر إلى انفجار احتجاجات أوسع يصعب احتواؤها، خاصة في ظلّ الطبيعة الجغرافية والسياسية الحسّاسة للأرخبيل، الذي شهد تاريخياً توتُّرات وانقسامات بين الجُزُر المختلفة. 

كما تثير الأزمة مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية أوسع، إذ إن استمرار تعطيل النقل والتجارة قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع إضافي في أسعار السلع الأساسية، وهو ما قد يدفع قطاعات اجتماعية جديدة للانضمام إلى الاحتجاجات. كذلك، فإن أيّ انزلاق أمني واسع قد ينعكس على الاستقرار البحري والهجرة غير النظامية في منطقة المحيط الهندي، خاصة مع القرب الجغرافي من مدغشقر وموزمبيق ومايوت الفرنسية. 

وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو الأزمة مرشَّحة للتحرك ضِمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية: 

الأول، هو التراجع الحكومي والتسوية المؤقتة، حيث يفترض نجاح وساطات رئاسية أو نقابية في التوصل إلى تسوية جزئية، عَبْر تعليق قرار رفع الأسعار مؤقتاً أو تقديم دعم مباشر لقطاع النقل، بما يسمح بإنهاء الإضراب واحتواء الزخم السياسي للاحتجاجات. 

الثاني هو التصعيد التدريجي والعصيان المدني، ويقوم على استمرار الحكومة في التمسك بالأسعار الجديدة، ما يدفع النقابات والاتحادات التجارية إلى توسيع الإضراب ليشمل الجزر الثلاث، مع تصاعُد التظاهرات الشعبية واتساع سقف المطالب السياسية، الأمر الذي قد يضع النظام أمام أزمة شرعية متفاقمة. 

وفي السيناريو الثالث يُفترض لجوء السلطات إلى تنفيذ اعتقالات مُركَّزة بحقّ قادة الحراك والنقابات، مع فرض قيود أمنية وإعلامية لاحتواء الاحتجاجات. ورغم أن هذا الخيار قد ينجح مؤقتاً في تقليص التحركات الميدانية، فإنه يحمل مخاطر عالية بإنتاج حالة احتقان مزمنة قد تعيد تفجير الأزمة لاحقاً بصورة أكثر حِدّة. 

وفي المجمل، تكشف الأزمة الحالية أن جزر القمر تواجه اختباراً داخلياً حسّاساً يتجاوز مجرد الخلاف حول أسعار الوقود، ليعكس هشاشة البِنية الاقتصادية وضعف الثقة بين الشارع والسلطة، في وقت تبدو فيه قدرة الحكومة على امتصاص الغضب الشعبي محدودة، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الاستقرار السياسي والاجتماعي في الأرخبيل. 

 



مواد ذات صلة
تصعيد على الحدود بين غينيا وليبيريا وسيراليون
سويسرا ترفض اعتماد السفير التونسي المكلف لديها