لوبيات الفساد وصفقات الدولة في تونس

  • Home
  • لوبيات الفساد وصفقات الدولة في تونس
Cass Banener Image
لوبيات الفساد وصفقات الدولة في تونس

لوبيات الفساد وصفقات الدولة في تونس

في ظلّ التحوُّلات السياسية والاقتصادية التي تشهدها تونس، يتكشّف مدى تغلغل شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة، وما يتبع ذلك من الوقوف على مدى تلاعُب لوبيات الفساد في إرساء الصفقات العمومية، وإقصاء المؤسسات الوطنية لصالح أطراف ذات نفوذ خاص، فقد أكّدت مصادر خاصة لمركز دراسات الأمن الإفريقي تورُّط مسؤولين بارزين في وزارة التجهيز والإسكان في ممارسة ضغوط وإجراءات إقصائية ضد شركة "سوماترا" الحكومية المختصة في المقاولات والبِنْية التحتية، بهدف تمكين شركات خاصة من مشاريع عمومية كبرى، بما يرسّخ حالة التجاوز لمبدأ تكافُؤ الفرص، وتكبيد خزينة الدولة الخسائر الماليّة الفادحة.

إقصاء منهجي متعمَّد للمؤسسات العامة

وفقًا للمعلومات فإن وزارة التجهيز والإسكان باتت ساحة لصراع نفوذ، تُوظَّف فيه آليات الإدارة العامة لإقصاء المؤسسات الحكومية من المشاريع الإستراتيجية لصالح شركات خاصة بعينها، حيث وقعت "سوماترا" التي تضطلع بدور محوري في مشاريع البِنْية التحتية الكبرى داخل منظومة الصفقات العمومية الحكومية تحت ضغط حملة منظمة لإبعادها عن المشاريع الوطنية، خاصة مشروع الطريق السريع (تونس–جلمة).

يعود هذا الإقصاء إلى تحرُّكات شبكة نفوذ داخل الوزارة، تديرها عناصر نافذة عملت على تسهيل إرساء هذه الصفقة لصالح شركة "ميديبا"، وهي شركة مملوكة لرجلَي الأعمال محمد وفيصل عبيد، والتي تحوّلت في فترة وجيزة من شركة تواجه صعوبات مالية إلى واحدة من أكبر المستفيدين من الصفقات الحكومية، ولم يقتصر الأمر على مشروع الطريق السريع (تونس – جلمة) هذا إذ سبق أن تم استبعاد "سوماترا" من مشروع جسر بنزرت، الذي شهد تضخيمًا كبيرًا في تكلفته من 200 مليون دينار إلى مليار دينار، إلى جانب بروز احتكار الشركات الخاصة لاحتكار المشروعات الكبرى وفرض أسعار تفوق بكثير تقديرات التكلفة الحقيقية على وزارة التجهيز التونسية.

شبكات فساد.. من الداخل والخارج

كشفت المصادر لمركز دراسات الأمن الإفريقي أن الجهات الأجنبية المموِّلة لهذه المشاريع دأبت على فرض شروط تعاقدية تُقصي الشركات التونسية من المنافسة على المشاريع الكبرى، مما يفتح الباب أمام الشركات الأجنبية لاحتكار هذه المشاريع بأسعار تفوق المعدلات الطبيعية، وتؤكد المعلومات أن هذه السياسات ليست اعتباطية، بل تشكّل جزءًا من آلية تواطُؤ بين مسؤولين داخل الوزارة وبعض الجهات المموِّلة، حيث يُفرَض على تونس القبول بشروط تُقصي الشركات الوطنية، مما يتناقض مع مبدأ سيادة الدولة على قراراتها الاقتصادية.

يبرز دور الوزير الأسبق محمد صالح العرفاوي في هذا السياق، حيث تشير المعطيات إلى أنه وافق على إدراج شروط مجحفة خلال فترة تولّيه الوزارة، بما يمنع المؤسسات الحكومية من المشاركة في الصفقات الكبرى، كما تؤكد المصادر أن العرفاوي كان يمتلك أسهمًا في شركة "ميديبا"، مما يفسّر الامتيازات التي حظيت بها هذه الشركة، واحتكارها لعقود الأشغال العامة خلال السنوات الأخيرة.

لم تقتصر أنشطة هذه الشبكة على قطاع البناء فحسبُ، بل امتدت إلى قطاع البعث العقاري، حيث أُبرمت صفقات مشبوهة تستفيد منها دوائر محددة على حساب المصلحة العامة.

إعفاءات رئاسية.. خُطوة نحو الإصلاح أم تصفية حسابات؟

أصدر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أواخر شباط/ فبراير 2025 قرارات بإعفاء عدد من كبار مسؤولي وزارة التجهيز والإسكان، من بينهم رئيس الديوان برهان حميدة، والمفتش العام جلال مولهي، والمدير العام للتنسيق بين الإدارات الجهوية مراد المؤدب الحمروني، إلى جانب تعيين حاتم عيشاوية المقرّب من سعيّد رئيسًا جديدًا للديوان، بينما ظلت مناصب التفقدية العامة والتنسيق بين الإدارات الجهوية شاغرة، وهو ما يثير استفهامات حول طبيعة هذه الإجراءات ومدى قدرتها على الإسهام في تفكيك شبكات الفساد داخل الوزارة.

جاءت هذه الإجراءات المفاجئة عقب لقاء جمع الرئيس سعيّد بوزيرة التجهيز سارة الزعفراني الزنزري، بهدف الطلب منها بالإسراع في تسريع تنفيذ مشاريع البِنْية التحتية الكبرى، بما في ذلك الطريق السريع تونس–جلمة، وجسر بنزرت، لكن غياب الشفافية في تقديم أسباب هذه الإقالات وعدم تعيين بدائل للمناصب الشاغرة، زاد من الجدل حول ما إذا كانت هذه الخُطوة تأتي ضمن مسار إصلاحي حقيقي أم أنها تندرج في إطار تصفية حسابات سياسية وإدارية داخل مؤسسات الدولة.

لوبيات المصالح.. هل يمكن تفكيك شبكات الفساد؟

إن هذه الإقالات -وإن بدت خُطوة نحو فرض الانضباط داخل الوزارة- لا تعني -بالضرورة- النجاح أو تقصّد تفكيك الشبكات الفاسدة التي تُحكم قبضتها على مقدرات المؤسسات الحكومية ومستقبلها، لأن "الإدارة العميقة" التي تقوم على زرع مسؤولين موالين لمراكز نفوذ محددة، لا تزال تشكّل عقبة أمام أي إصلاح حقيقي، حيث إن هؤلاء المسؤولين الذين يُعيَّنون في مواقع إستراتيجية داخل الإدارة، يسعون إلى حماية مصالح الفئات المتنفذة، ويُوظفون سلطاتهم لتعطيل أي إجراءات قد تمس بامتيازاتهم، سواء عبر عرقلة تنفيذ المشاريع أو التلاعب بملفات الصفقات الحكومية العامة.

بناءً على ذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أكثر من مجرد تغييرات إدارية، بدءًا من إجراء تحقيقات معمّقة لكشف شبكات الفساد داخل الوزارات وممارساتها، ومراجعة العقود المبرمة مع الشركات، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الحكومية عبر منحها الأولوية في تنفيذ المشاريع الإستراتيجية. كما يقتضي الأمر فرض رقابة صارمة على التمويلات الأجنبية، والتأكد من عدم تضمُّنها شروطًا تمييزية تُقصي الشركات الوطنية لصالح شركات ذات مصالح مشبوهة.

وفي المحصلة، تبقى هذه القضية مؤشرًا على التحديات الكبرى التي تواجهها تونس في إدارة قطاعها العامّ، خصوصًا في ظل تزايد النفوذ الاقتصادي للوبيات المصالح، فهل ستتمكن الدولة من فرض إصلاحات جذرية تعيد الاعتبار لمؤسساتها العمومية، أم أن هذه الإقالات لن تكون سوى حلقة جديدة في مسلسل إعادة توزيع المصالح داخل الإدارة؟ 

 



Related posts
Switzerland Refuses to Accredit Tunisia’s Pick for Ambassador
Failed Coup Reveals Benin’s Fragility