هجمات القاعدة تهزّ العاصمة المالية وتُوسّع الفوضى الأمنية

  • الرئيسية
  • هجمات القاعدة تهزّ العاصمة المالية وتُوسّع الفوضى الأمنية
Cass Banener Image
هجمات القاعدة تهزّ العاصمة المالية وتُوسّع الفوضى الأمنية

هجمات القاعدة تهزّ العاصمة المالية وتُوسّع الفوضى الأمنية

تشهد مالي أخطر تصعيد أمني وعسكري منذ سنوات، بعد سلسلة الهجمات الواسعة والمنسقة التي نفذتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع فصائل مسلحة من الطوارق، ضدّ مواقع عسكرية وحيوية في العاصمة باماكو وعدد من المدن الشمالية والوسطى.

وقد بدأت الموجة الحالية من التصعيد بصورة علنية في أواخر إبريل 2026، قبل أن تتوسع خلال الأيام التالية لتشمل استهداف خطوط الإمداد المؤدية إلى العاصمة، وتنفيذ كمائن وهجمات على قوافل تجارية وعسكرية، بالتزامن مع تصاعُد الهجمات في مناطق وسط البلاد وشمالها.

التطور الأبرز تمثل في قدرة الجماعات المسلحة على نقل المعركة من الأطراف النائية إلى محيط العاصمة باماكو، وهو تحوُّل بالغ الحساسية في السياق المالي، نظراً لأن باماكو ظلت خلال السنوات الماضية بعيدة نسبياً عن مستوى التهديد الذي شهدته مناطق الشمال والوسط.

الهجمات استهدفت قواعد عسكرية ومرافق إستراتيجية، بينها معسكرات حسّاسة مرتبطة بالقيادة العسكرية، إضافة إلى طرق الإمداد الحيوية القادمة من السنغال وكوت ديفوار، في محاولة واضحة لإظهار قدرة الجماعات المسلحة على خنق العاصمة اقتصادياً وأمنياً.

وجاء التصعيد في وقت تعيش فيه مالي مرحلة إعادة تشكل كاملة لمنظومتها الأمنية والسياسية، بعد سنوات من الانقلابات العسكرية والتوتر مع القوى الغربية، خصوصاً فرنسا. فمنذ وصول العقيد أسيمي غويتا إلى السلطة، اتجهت باماكو إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي وتقليص دور بعثة الأمم المتحدة، بالتوازي مع توسيع التعاون مع روسيا و”فيلق إفريقيا” المرتبط بمجموعة فاغنر سابقاً.

وقدّمت السلطة العسكرية هذه التحولات باعتبارها بداية مرحلة “استعادة السيادة” وإنهاء الفشل الأمني الذي رافق الوجود الغربي، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الجماعات المسلحة لا تزال تمتلك قدرة عالية على المناورة وإعادة تنظيم صفوفها.

اللافت في الهجمات الأخيرة أنها لم تكن مجرد عمليات كرّ وفرّ تقليدية، بل حملت سمات عمليات عسكرية منسقة متعددة الجبهات، ما يشير إلى تطوُّر واضح في مستوى التخطيط والاتصالات والتنسيق بين الجماعات الجهادية والفصائل الطوارقية المسلحة. كما أن فرض نقاط تفتيش على بعض الطرق المؤدية إلى العاصمة واستهداف قوافل الإمداد يعكس انتقال الجماعات المسلحة نحو إستراتيجية “الضغط على المركز” بدلاً من الاكتفاء بالسيطرة على الأطراف.

وهذا التطور يحمل دلالة سياسية وعسكرية مهمة، لأنه يهدف إلى إظهار هشاشة الدولة وعجز السلطة العسكرية عن تأمين المجال الحيوي للعاصمة.

الأثر الآني للتصعيد كان كبيراً على المستويين الأمني والسياسي. فقد دفعت الهجمات القيادة المالية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، أبرزها تولي العقيد غويتا بنفسه حقيبة الدفاع، في خُطوة تعكس حجم الأزمة داخل المؤسسة العسكرية.

كما ارتفعت حالة الاستنفار الأمني في باماكو، وتزايدت المخاوف الشعبية من اتساع الهجمات نحو العاصمة ومحيطها، بالتزامن مع اضطراب حركة التجارة والنقل وارتفاع المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار. وعلى المستوى العسكري، كشفت الهجمات عن استمرار ضعف قدرة الجيش على تأمين مساحات واسعة من البلاد رغم الدعم الروسي المكثف، كما أظهرت هشاشة خطوط الإمداد والاتصالات العسكرية.

أما على المدى البعيد، فإن أخطر ما في التطورات الحالية هو احتمال إعادة إنتاج نموذج “الدولة المنهكة” الذي شهدته مالي بعد انهيار 2012، لكن في بيئة أكثر تعقيداً. فالجماعات المرتبطة بالقاعدة باتت أكثر خبرة وتنظيماً، كما أن التعاون بينها وبين بعض الفصائل الطوارقية يمنحها بُعداً محلياً وإثنياً يتجاوز البُعد الجهادي التقليدي.

وفي حال استمرار هذا التقارب، فقد تواجه السلطة العسكرية صعوبة متزايدة في استعادة السيطرة على الشمال والوسط، خصوصاً مع تراجُع الدعم الدولي التقليدي واعتماد باماكو بشكل شِبه كامل على المقاربة العسكرية.

كما أن استمرار التدهور الأمني قد يؤدي إلى انعكاسات إقليمية واسعة، لأن مالي تمثل مركز الثقل الأمني في منطقة الساحل. وأي انهيار إضافي فيها سيؤثر مباشرة على بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تواجهان أصلاً أوضاعاً أمنية هشّة، ما قد يفتح المجال أمام توسُّع الجماعات المسلحة عبر الحدود بشكل أكبر.

وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو السيناريوهات المحتملة متعددة. السيناريو الأول يتمثل في نجاح السلطة العسكرية، بدعم روسي، في احتواء التصعيد عَبْر عمليات عسكرية واسعة وإعادة تأمين محيط العاصمة وخطوط الإمداد، وهو سيناريو ممكن لكنه يتطلب قدرات ميدانية واستقراراً داخلياً لا يبدو متوفراً بالكامل حالياً.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط، فيقوم على استمرار حرب الاستنزاف، بحيث تُواصل الجماعات المسلحة تنفيذ هجمات متفرقة ومنسقة تستهدف إنهاك الجيش وإضعاف هيبة السلطة دون السيطرة المباشرة على العاصمة.

في حين يبقى السيناريو الأخطر هو توسُّع التحالف بين الجماعات الجهادية والفصائل الانفصالية، بما يؤدي إلى تشكُّل جبهة مسلحة واسعة تعيد البلاد إلى وضع قريب من الانهيار الشامل الذي شهدته قبل أكثر من عقد.

 



مواد ذات صلة
نشاط تنظيم الدولة في موزمبيق
دبلوماسية روسية ثقافية مسلحة في غينيا الاستوائية