هجمات متزامنة تُربك انتشار الجيش المالي شمالاً ووسطاً

  • الرئيسية
  • هجمات متزامنة تُربك انتشار الجيش المالي شمالاً ووسطاً
Cass Banener Image
هجمات متزامنة تُربك انتشار الجيش المالي شمالاً ووسطاً

هجمات متزامنة تُربك انتشار الجيش المالي شمالاً ووسطاً

شكّلت الهجمات المتزامنة التي نفذتها جماعات مسلحة في شمال مالي ووسطها، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، تطوُّراً أمنياً لافتاً يعكس تحوُّلاً في طبيعة التهديدات التي تواجهها الدولة المالية. فقد استهدفت العمليات عدداً من القواعد العسكرية والنقاط الأمنية في توقيت متقارب، بما يشير إلى مستوى مرتفع من التخطيط والتنسيق والقدرة على إدارة عمليات متعددة في مسارح جغرافية متباعدة.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تسعى فيه السلطات المالية إلى ترسيخ سيطرتها على المناطق الشمالية والوسطى، مستندة إلى شراكتها العسكرية مع روسيا وإعادة هيكلة قواتها المسلحة عقب انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة.

وتكتسب هذه الهجمات أهمية خاصة؛ لأنها تجمع بين فاعلين تختلف أهدافهما الإستراتيجية، وإن التقيا مرحلياً في استهداف القوات الحكومية. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تسعى إلى توسيع نفوذها وترسيخ حضورها في المناطق الريفية عبر استنزاف مؤسسات الدولة، بينما تركز جبهة تحرير أزواد على إعادة فرض حضورها السياسي والعسكري في شمال مالي والدفاع عن مطالبها المرتبطة بالحكم الذاتي.

ويشير التنسيق بين الطرفين، حتى وإنْ كان محدوداً أو ظرفياً، إلى وجود تقاطُع مصالح يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية للحكومة وإرباك انتشارها الميداني، أكثر من كونه تحالُفاً إستراتيجياً طويل الأمد.

وتُبرز الهجمات أيضاً تطوُّراً في القدرات العملياتية للجماعات المسلحة، إذْ لم تَعُدْ تعتمد على الكمائن التقليدية أو الهجمات المحدودة، بل أصبحت قادرة على تنفيذ عمليات متزامنة تستهدف مواقع متعددة، مستفيدة من المعرفة الجغرافية، وسهولة الحركة في المناطق الصحراوية، وضعف الرقابة على خطوط الإمداد. ويعكس هذا النمط قدرة هذه الجماعات على الاحتفاظ بهياكل قيادة واتصال فعّالة، رغم الضربات العسكرية التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، تكشف هذه التطورات استمرار التحديات التي تواجهها القوات المسلحة المالية، رغم الاستثمارات الكبيرة في تحديث الجيش وزيادة الإنفاق الدفاعي. فالهجمات تشير إلى أن السيطرة الحكومية على عدد من المناطق لا تزال تقتصر على المدن الرئيسية وبعض القواعد العسكرية، بينما تظلّ المساحات الريفية والحدودية عرضة لنشاط الجماعات المسلحة، كما تؤكد أن العمليات العسكرية الهجومية لم تنجح حتى الآن في حرمان هذه الجماعات من حرية الحركة أو تفكيك شبكاتها اللوجستية.

ويكتسب هذا التصعيد بُعداً إضافياً في ظلّ استمرار الشراكة الأمنية بين باماكو وروسيا، ولا سيما مع انتشار عناصر "فيلق إفريقيا" الروسي في عدد من المناطق الحيوية. فقد راهنت الحكومة المالية على أن هذه الشراكة ستعوض الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية، وستوفر دعماً عملياتياً أكثر فاعلية في مواجهة التمرد المسلح.

إلا أنّ الهجمات الأخيرة تعكس أن الجماعات المسلحة ما تزال قادرة على المبادرة وفرض إيقاع العمليات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فعالية المقاربة العسكرية الحالية، خاصة في ظلّ اتساع رقعة العمليات وصعوبة تأمين المناطق النائية.

وعلى المستوى الإقليمي، تعزز هذه التطورات المخاوف من انتقال النشاط المسلح إلى الدول المجاورة، خصوصاً بوركينا فاسو والنيجر، فضلاً عن الدول الساحلية في خليج غينيا مثل بنين وتوغو وساحل العاج. فالجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة تواصل استغلال المناطق الحدودية الهشّة وشبكات التهريب التقليدية لتوسيع نطاق عملياتها، وهو ما يجعل أيّ تدهور أمني في مالي ذا انعكاسات مباشرة على أمن غرب إفريقيا بأكمله.

كما أن استمرار الضغط العسكري داخل مالي قد يدفع بعضَ المجموعات إلى إعادة التموضع عبر الحدود، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.

وتشير الهجمات كذلك إلى أن الصراع في مالي يشهد تحوُّلاً من المواجهات التقليدية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تعتمد فيها الجماعات المسلحة على استهداف المواقع العسكرية وإضعاف الروح المعنوية للقوات الحكومية، بدلاً من السيطرة المباشرة على المدن الكبرى، ويمنح هذا النمط تلك الجماعات مرونة أكبر، ويقلل من خسائرها، في الوقت الذي يفرض على الجيش المالي استنزافاً مستمراً في الموارد والقدرات البشرية.

وفي ضوء ذلك، تبدو الحكومة المالية أمام تحدي إعادة تقييم إستراتيجيتها الأمنية، بحيث لا تقتصر على العمليات العسكرية، وإنما تشمل تعزيز القدرات الاستخباراتية، وتحسين مراقبة الحدود، وتطوير التعاون الأمني مع دول الجوار، فضلاً عن معالجة العوامل المحلية التي تستغلها الجماعات المسلحة، مثل ضعف الخدمات الحكومية، وهشاشة الإدارة المحلية، والتوترات بين المجتمعات المحلية. كما أن تحقيق تقدُّم مستدام يتطلب استعادة قنوات الحوار مع بعض الفاعلين المحليين، بما يسهم في تقليص البيئة الحاضنة للعنف.

في المحصِّلة تعكس الهجمات المتزامنة الأخيرة أن الجماعات المسلحة في مالي لا تزال تحتفظ بقدرة عالية على التخطيط والمبادرة، وأن البيئة الأمنية لم تشهد تحوُّلاً جذرياً رغم التغييرات التي طرأت على منظومة الشراكات العسكرية الخارجية.

كما تشير إلى أن التنسيق المرحلي بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد يمثل تطوُّراً ميدانياً يستحق المتابعة، لما قد يترتب عليه من زيادة الضغوط على القوات الحكومية واتساع نطاق التهديدات الأمنية في شمال مالي ووسطها، مع احتمال امتداد آثارها إلى مجمل إقليم الساحل وغرب إفريقيا.

 



مواد ذات صلة
محاولات "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" التوغُّل في توغو
إعادة هيكلة قطاع الذهب في مالي