تشهد مساعي دول شرق إفريقيا لتعزيز التعاون الاستخباراتي في مواجهة التهديدات الإرهابية زخماً ملحوظاً منذ نهاية يونيو 2026، بالتزامن مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب في الصومال، واستمرار المخاوف من تمدُّد شبكات التطرف والجريمة المنظمة عبر الحدود.
ورغم أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول الإقليم ليس جديداً، فإن المستجدات الأخيرة تشير إلى توجُّه متزايد نحو تطوير آليات تبادُل المعلومات بصورة أكثر انتظاماً، مدفوعاً بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية في الصومال، والاستعداد لمرحلة ما بعد تقليص الاعتماد على القوات الدولية، فضلاً عن تنامي المخاوف من استغلال الجماعات المتشددة للحدود المفتوحة بين دول الإقليم.
ويأتي هذا الحراك في ظلّ إدراك متزايد لدى حكومات المنطقة بأن مكافحة الإرهاب لم تَعُدْ قضية وطنية منفصلة، بل أصبحت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدول على بناء منظومة إقليمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر، خاصة في منطقة القرن الإفريقي التي تَتَّسِم بتداخُل الحدود وتشابُك التهديدات الأمنية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تكثيف التنسيق بين الأجهزة الأمنية في الصومال وكينيا وإثيوبيا وجيبوتي، مع استمرار الاجتماعات الفنية لتبادل المعلومات حول تحركات عناصر حركة الشباب وشبكات التمويل وطرق الإمداد.
كما برز اهتمام متزايد بتطوير آليات التنسيق مع بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، بهدف ضمان انتقال سَلِس للمهام الأمنية دون إحداث فجوات استخباراتية قد تستغلها الجماعات المسلحة.
وفي هذا السياق، تركز الجهود الحالية على رفع كفاءة تبادُل المعلومات في الزمن الحقيقي، خصوصاً فيما يتعلق بتحركات القيادات الميدانية، وعمليات التجنيد، ومسارات تهريب الأسلحة، والتحويلات المالية غير المشروعة. كما يجري العمل على تعزيز الربط بين قواعد البيانات الأمنية، بما يسمح بتتبُّع العناصر المُشتبَه بها عبر الحدود، في ظلّ تزايُد استخدام الجماعات الإرهابية لشبكات إجرامية عابرة للحدود لتسهيل تحرُّكاتها.
ويُلاحَظ أيضاً أن التعاون الاستخباراتي بات يحظى بدعم متزايد من الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا، من خلال برامج تدريب الكوادر الأمنية، وتطوير تقنيات تحليل البيانات، وتعزيز قدرات المراقبة الجوية والإلكترونية.
ويعكس هذا الدعم إدراكاً دولياً بأن استقرار شرق إفريقيا يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وبحماية طرق التجارة الدولية من الأخطار الإرهابية.
ومن المستجدات اللافتة خلال الأيام الماضية تزايد الاهتمام بمكافحة شبكات تمويل الإرهاب، بعد أن أظهرت تقارير أمنية أن الجماعات المتشددة أصبحت تعتمد بصورة أكبر على شبكات مالية غير رسمية، وأنشطة التهريب، والابتزاز المحلي، بدلاً من الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية التقليدية.
وقد دفع ذلك عدداً من أجهزة الاستخبارات في المنطقة إلى توسيع نطاق التعاون مع وحدات الاستخبارات المالية والبنوك المركزية، بهدف رصد التحويلات المشبوهة وتعقُّب التدفقات المالية المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية.
كما يبرز تطوُّر آخر يتمثل في زيادة التركيز على الأمن الحدودي، إذ تشير التقديرات إلى أن قدرة الجماعات المسلحة على التنقل بين الصومال وكينيا وإثيوبيا لا تزال تُمثل أحد أبرز التحديات أمام الأجهزة الأمنية. ولذلك يجري العمل على دمج المعلومات الاستخباراتية مع أنظمة المراقبة الحدودية، وتكثيف الدوريات المشتركة، وتبادل قوائم المطلوبين بصورة أكثر سرعة وفعالية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تَحُدّ من فعالية التعاون الاستخباراتي الإقليمي. فمن أبرزها تفاوُت القدرات التقنية والمؤسسية بين أجهزة الاستخبارات الوطنية، واختلاف أولويات الدول، فضلاً عن استمرار بعض الخلافات السياسية التي قد تؤثر في مستوى تبادُل المعلومات الحسّاسة.
كما أن ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض الدول يَحُدّ من إمكانية إنشاء منظومات إقليمية متكاملة للإنذار المبكر وتحليل البيانات.
إلى جانب ذلك، تمثل إعادة هيكلة الوجود العسكري الدولي في الصومال اختباراً مهماً لقدرة دول المنطقة على تحمُّل مسؤوليات أمنية أكبر؛ فنجاح عملية الانتقال لا يعتمد فقط على جاهزية القوات العسكرية، وإنما أيضاً على وجود منظومة استخباراتية إقليمية قادرة على توفير معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب، بما يسمح بتنفيذ عمليات استباقية ضدّ الجماعات الإرهابية قبل تنفيذ هجماتها.
ومن المرجَّح أن يشهد التعاون الاستخباراتي في شرق إفريقيا مزيداً من التطور خلال المرحلة المقبلة، مدفوعاً باستمرار التهديدات الإرهابية، وتزايُد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر، وتنامي قناعة دول الإقليم بأن العمل المنفرد لم يَعُدْ كافياً لمواجهة تنظيمات تتمتع بقدرة عالية على الحركة والتكيف.
ومن ثَمّ، قد تتجه الحكومات إلى توسيع نطاق تبادُل المعلومات ليشمل مجالات الأمن السيبراني، ومراقبة الفضاء الإلكتروني، ومكافحة الدعاية المتطرفة، إلى جانب تطوير مراكز إقليمية مشتركة لتحليل المعلومات الاستخباراتية.
وفي المجمل، تعكس المستجدات الأخيرة انتقال التعاون الاستخباراتي في شرق إفريقيا من مرحلة التنسيق الظرفي إلى مسار أكثر مؤسسية، يهدف إلى بناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود بصورة أكثر تكامُلاً واستدامة، بما يُعزّز فرص الحدّ من نشاط الجماعات الإرهابية ويحافظ على استقرار الإقليم في ظلّ بيئة أمنية تَتَّسِم بدرجة عالية من التعقيد.




