روسيا تُوسّع نفوذها الأمني في دول الساحل

  • الرئيسية
  • روسيا تُوسّع نفوذها الأمني في دول الساحل
Cass Banener Image
روسيا تُوسّع نفوذها الأمني في دول الساحل

روسيا تُوسّع نفوذها الأمني في دول الساحل

يشهد إقليم الساحل خلال العامين الأخيرين تحوُّلاً متسارعاً في خريطة النفوذ الدولي، مع تنامي الحضور الروسي في دول تحالف الساحل الثلاث: مالي وبوركينا فاسو والنيجر. 

ويأتي هذا التوسع في أعقاب سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها الدول الثلاث بين عامَيْ 2020 و2023، وما تبعها من تدهور العلاقات مع فرنسا وشركاء غربيين آخرين، الأمر الذي دفع الحكومات الجديدة إلى البحث عن بدائل أمنية وسياسية قادرة على دعم بقائها ومواجهة التهديدات المسلحة المتصاعدة. 

بدأ التحوُّل بصورة واضحة في مالي عقب تدهور العلاقات بين باماكو وباريس، حيث تسارعت منذ أواخر عام 2021 وتيرة التعاون مع مجموعة فاغنر الروسية، ومع مقتل يفغيني بريغوجين في أغسطس 2023 وإعادة هيكلة الأنشطة الروسية في إفريقيا، انتقلت إدارة العديد من الملفات الأمنية إلى فيلق إفريقيا، وهو تشكيل يرتبط مباشرة بوزارة الدفاع الروسية ويعمل على توسيع النفوذ الروسي في القارة. 

وقد أصبحت مالي إحدى أهم ساحات نشاط هذا التشكيل الجديد، سواء من خلال التدريب أم الدعم العملياتي أم توفير الحماية لبعض المنشآت الحيوية. 

وفي بوركينا فاسو، تعزز الحضور الروسي بصورة ملحوظة منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة في سبتمبر 2022. 

وخلال عامَيْ 2024 و2025، كثفت واغادوغو تعاوُنها العسكري مع موسكو، بما في ذلك الحصول على معدات عسكرية وطائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة، كما شهدت البلاد زيارات متبادلة بين مسؤولين عسكريين من الجانبين، في إطار توجُّه أوسع لتنويع الشركاء الأمنيين وتقليص الاعتماد على الدعم الغربي التقليدي. 

أما في النيجر، فقد اكتسب الحضور الروسي زخماً خاصاً بعد انقلاب يوليو 2023 الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم. فمع انسحاب القوات الفرنسية خلال عام 2024 وتراجُع الوجود العسكري الأمريكي لاحقاً، فتحت نيامي المجال أمام تعاوُن أمني أكبر مع موسكو. 

وفي إبريل 2024 وصلت أولى مجموعات المستشارين العسكريين الروس إلى البلاد، تبعتها شحنات من المعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي، وبحلول عام 2026، باتت روسيا أحد أبرز الشركاء الأمنيين للسلطات العسكرية النيجرية. 

وتسارعت هذه التحولات مع إنشاء "تحالف دول الساحل" الذي ضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، قبل أن يتحول في يوليو 2024 إلى كونفدرالية سياسية وأمنية تسعى إلى تعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي بين الدول الثلاث، وقد وجدت موسكو في هذا الإطار الإقليمي الجديد فرصة لتوسيع حضورها بصورة جماعية بدلاً من التعامل مع كل دولة على حدة. 

ويستند التمدد الروسي إلى مجموعة من الأدوات المتكاملة، فعلى المستوى العسكري، توفر موسكو التدريب والمشورة والأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمروحيات وأنظمة الاستطلاع، وعلى المستوى السياسي، تقدم نفسها بوصفها شريكاً لا يربط مساعداته بشروط تتعلق بالإصلاح السياسي أو حقوق الإنسان، وهو ما يجذب العديد من الأنظمة العسكرية في المنطقة. أما على المستوى الإعلامي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تنامياً لنشاط المنصات والشبكات الإعلامية الداعمة للرواية الروسية داخل دول الساحل. 

غير أن هذا التوسع يواجه تحديات متزايدة، فعلى الرغم من تنامي التعاون العسكري، لا تزال الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمَيْ داعش والقاعدة قادرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. 

وقد أظهرت الهجمات الأخيرة في النيجر خلال يونيو 2026، والتي استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت حسّاسة، أن التهديد الأمني ما زال بعيداً عن الاحتواء الكامل رغم التحولات في الشراكات الخارجية. 

وبينما نجحت موسكو في تعزيز حضورها السياسي والعسكري، فإن المؤشرات الميدانية لا تظهر حتى الآن تراجعاً حاسماً في نشاط الجماعات المسلحة، بل إن بعض المناطق في الساحل شهدت خلال العامين الماضيين تصاعداً في الهجمات واتساعاً في نطاق العمليات المسلحة. 

إلى جانب ذلك، يثير التوسع الروسي قلقاً لدى القوى الغربية التي ترى أن الساحل أصبح إحدى ساحات التنافس الجيوسياسي الجديدة. فبعد عقود من الهيمنة الفرنسية على الترتيبات الأمنية في المنطقة، باتت موسكو تمتلك نفوذاً متزايداً داخل العواصم الثلاث، في حين تحاول دول أخرى مثل تركيا والصين والإمارات تعزيز حضورها الاقتصادي والأمني بدرجات متفاوتة. 

ومن المرجح أن يستمر الحضور الروسي في التوسع خلال المدى المنظور، خاصة في ظل استمرار التوتر بين دول تحالف الساحل والغرب، واستمرار حاجة الحكومات العسكرية إلى دعم أمني سريع لمواجهة التهديدات المسلحة، إلا أن مستقبل هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بمدى قدرة موسكو وشركائها المحليين على تحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الجماعات المسلحة وتحسين الأوضاع الأمنية. 

وعليه فإن تنامي الحضور الروسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر لا يعكس مجرد تغيير في الشراكات العسكرية، بل يمثل تحوُّلاً أوسع في التوازُنات الجيوسياسية داخل غرب إفريقيا، فالساحل يشهد اليوم إعادة تشكيل لمنظومته الأمنية والإقليمية، في ظلّ تراجُع النفوذ الغربي التقليدي وصعود فاعلين دوليين جُدد يسعون إلى ترسيخ مواقعهم في واحدة من أكثر مناطق القارة أهمية وحساسية. 

  

 



مواد ذات صلة
استمرار الانقسام السياسي يُهدّد مستقبل الاستقرار الليبي
تمدُّد الجماعات الجهادية نحو دول خليج غينيا