يشهد المشهد الأمني في شرق الكونغو الديمقراطية تحوُّلاً نوعياً لافتاً في نمط انتشار تنظيم داعش وعملياته في ولاية وسط إفريقيا (المعروف محلياً بالقوات الديمقراطية المتحالفة ADF)، فبعد سنوات من تمركزه التقليدي في مناطق محددة من إقليمَيْ شمال كيفو وإيتوري، بدأ التنظيم في تنفيذ إستراتيجية تمدُّد جغرافي وعملياتي جديدة تستهدف اختراق العمق الشمالي وإعادة صياغة خارطة النفوذ برياً.
وتأتي هذه التحركات كمحاولة مباشرة للالتفاف على الضغوط العسكرية المتزايدة الناجمة عن عمليات "شجاعة" المشتركة بين الجيشين الكونغولي والأوغندي، والتي نجحت في تدمير عدد من معاقله الرئيسية ومستودعات عتاده في القطاعات الجنوبية؛ مما دفع قيادة التنظيم إلى نقل ثقلها العملياتي نحو مناطق أقل تحصيناً عسكرياً وأكثر حيوية من الناحية اللوجستية.
وتكشف جغرافيا التحركات الأخيرة عن تركيز إستراتيجي على إقليم إيتوري والمناطق المتاخمة لمحافظة أويلي العليا والشريط الحدودي الأوغندي. ولم يَعُد التحرك مجرد مناورات هروب أو هجمات خاطفة لغرض البقاء، بل بات يعكس تخطيطاً عسكرياً متقدماً يعتمد على التزامن والمباغتة من محاور متعددة، والقدرة على شلّ حركة القوات الحكومية والمحلية وإرباك خطوطها الدفاعية في قطاعات كانت تُصنَّف سابقاً بأنها آمنة أو مستقرة نسبياً.
تتمحور الإستراتيجية العسكرية للتنظيم في إيتوري ومحيطها حول ثلاثة أبعاد ميدانية رئيسية:
أولاً، تكتيك قطع الأوصال والسيطرة على المحاور الحيوية: يركز التنظيم عملياته بوضوح على الطرق السريعة والممرات البرية الإستراتيجية، مثل المحاور الرابطة بين منطقتَيْ مونغبيري وجامو، والسيطرة على هذه الطرق أو فرض حصار ناري عليها عبر التمركز في الأحزمة الغابية المحاذية لها تمنح التنظيم قدرة على قطع طرق الإمداد اللوجستي عن وحدات الجيش الكونغولي وقوات حرس الحدود؛ مما يؤدي إلى عزل المراكز العسكرية الحيوية وتسهيل استهدافها وقضمها تدريجياً.
ثانياً، استهداف البنية التحتية والاستيلاء على الموارد: تعكس الهجمات الأخيرة الموجهة ضدّ القواعد العسكرية المستحدثة ومستودعات التموين رغبة التنظيم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلاح والعتاد، والاستيلاء على هذه المقرات لا يقتصر على كونه نصراً معنوياً، بل يمثل شريانَ حياةٍ مالياً وعسكرياً يُمكّن عناصر التنظيم من الصمود لفترات أطول ومواجهة التفوق التسليحي للقوات النظامية، مستغلاً في ذلك تراجُع الروح القتالية لبعض الوحدات المحلية والميليشيات الموالية للحكومة.
ثالثاً، توظيف التناقضات العشائرية والطائفية: يعمد التنظيم إلى استغلال التركيبة الاجتماعية المعقدة في إقليم إيتوري، حيث يتنقل بذكاء بين خطوط الصدع العِرْقية. ومن خلال استهدافه المباشر لقوات المقاومة المحلية ذات الخلفيات القبلية المحددة، يسعى التنظيم إلى تحييد قوى الدعم الشعبي للجيش، وإشعال نزاعات أفقية بين المكوِّنات المحلية؛ مما يشتت الجهد الأمني الحكومي ويمنح التنظيم مساحات مناورة أوسع وسط بيئة اجتماعية منقسمة.
ويمتد التأثير المباشر للتحركات الميدانية الحالية للتنظيم في إيتوري ليشمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز الحدود السياسية للكونغو الديمقراطية، إن السعي الحثيث للتنظيم لتأمين ممرات عبور مستقرة نحو الحدود الأوغندية يستهدف بشكل مباشر إحياء شبكات التجنيد، والتمويل اللوجستي، وتهريب الأسلحة والعناصر العابرة للحدود، هذا التموضع في الغابات المحاذية للشريط الحدودي يمنحه عمقاً إستراتيجياً يتيح له نقل المعركة أو الضغط الأمني إلى داخل الأراضي الأوغندية ذاتها، مما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي لِكمبالا.
من جهة أخرى، يضع هذا التمدُّد كفاءة ومستقبل العمليات العسكرية المشتركة بين كنشاسا وكمبالا على المحكّ؛ فرغم النجاحات التكتيكية السابقة، يثبت التنظيم مرونة عالية في التكيف مع الضغط العسكري عبر نقل مسرح العمليات إلى قطاعات جديدة مستغلاً الفجوات التنسيقية أو ضعف انتشار القوات البرية على الحدود الطويلة، كما أن انهيار القوات المحلية والميليشيات القَبَلية المموَّلة حكومياً أمام ضربات التنظيم المتزامنة يكشف عن هشاشة الاعتماد على وكلاء محليين غير نظاميين في ضبط الأمن والاستقرار، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة للإستراتيجية الدفاعية المتبعة.
وتتجه الأوضاع الأمنية في إقليم إيتوري والمناطق الشمالية المتاخمة له نحو سيناريوهين محتملين في المدى المنظور:
• سيناريو الاستنزاف المستمر وتوطيد النفوذ: يتمثل في نجاح التنظيم في الحفاظ على تمركزه الحالي في غابات أويلي العليا وشمال إيتوري، والتمكن من تحويل الشريط الحدودي مع أوغندا إلى منطقة عمليات رمادية تتدفق عبرها الإمدادات، هذا المسار سيعني تحوُّل التنظيم إلى سلطة أمر واقع قادرة على تهديد خطوط التجارة الحيوية وإجبار الحكومات الإقليمية على الدخول في حرب استنزاف طويلة ومكلفة برياً.
• سيناريو الردع المشترك الموسَّع: ويتوقف على إدراك قيادة الجيشين الكونغولي والأوغندي لخطورة التحول الجغرافي للتنظيم، ومبادرتها إلى توسيع نطاق عمليات "شجاعة" لتشمل محافظة أويلي العليا والقطاعات الشمالية لإقليم إيتوري، نجاح هذا السيناريو يتطلَّب نشر قوات برية نظامية مكثفة لتأمين الطرق السريعة وحظر الممرات الحدودية، بالتزامن مع تفكيك الشبكات القَبَلية المحلية المتعاونة مع التنظيم لقطع قنوات الدعم اللوجستي والاجتماعي عنه بشكل نهائي.




