تفشِّي الإيبولا يختبر هشاشة شرق الكونغو الأمنية

  • الرئيسية
  • تفشِّي الإيبولا يختبر هشاشة شرق الكونغو الأمنية
Cass Banener Image
تفشِّي الإيبولا يختبر هشاشة شرق الكونغو الأمنية

تفشِّي الإيبولا يختبر هشاشة شرق الكونغو الأمنية

يُشكِّل تفشِّي فيروس الإيبولا مجدَّداً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية تذكيراً بأن التهديدات الصحية في المنطقة لا يمكن فصلها عن البيئة الأمنية المعقدة التي تُميّز إقليمَيْ إيتوري وكيفو، فعلى الرغم من أن الكونغو اكتسبت خبرة كبيرة في احتواء موجات الإيبولا المتعاقبة خلال العقدين الماضيين، فإن الظروف الأمنية الراهنة تجعل من أيّ تفشٍّ جديد تحدياً يتجاوز القطاع الصحي ليصبح قضية أمنية وسياسية وإنسانية ذات أبعاد إقليمية.

تتركز بُؤَر التفشي الجديدة في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة نتيجة انتشار عشرات الجماعات المسلحة المحلية والأجنبية، وفي مقدِّمتها القوات الديمقراطية المتحالفة ADF والجماعات المحلية المرتبطة بالنزاعات العِرْقية والتنافس على الموارد.

وقد أدى استمرار أعمال العنف إلى إضعاف سلطة الدولة في أجزاء واسعة من إيتوري وشمال كيفو، الأمر الذي يَحُدّ من قدرة السلطات الصحية على الوصول السريع إلى المجتمعات المحلية وتنفيذ برامج المراقبة الوبائية والتطعيم والعزل الطبي.

وتُعَدّ مشكلة الوصول الميداني إحدى أبرز العقبات أمام جهود الاحتواء؛ فالكثير من المناطق المتضررة تقع ضِمن نطاقات تشهد اشتباكات متكررة أو هجمات على الطرق، ما يفرض قيوداً على حركة الفِرَق الطبية ويؤخر عمليات تتبُّع المخالطين ونقل المعدات والكوادر الصحية، وفي بعض الحالات، يؤدي تدهور الوضع الأمني إلى تعليق الأنشطة الصحية بالكامل أو تقليصها إلى الحدّ الأدنى، بما يسمح للفيروس بالانتشار لفترات أطول قبل اكتشاف جميع سلاسل العدوى.

كما تسهم حالة انعدام الثقة بين السكان المحليين والسلطات في تعقيد الاستجابة، فقد خلَّفت سنوات الصراع الطويلة مستويات مرتفعة من الشكّ تجاه المؤسسات الحكومية والقُوى الدولية العاملة في المنطقة.

وتستغلّ بعض الجماعات المسلحة هذه البيئة لنشر الشائعات أو عرقلة حملات التوعية الصحية، ما يُقلّل من فعالية الإجراءات الوقائية ويزيد من صعوبة إقناع السكان بالتعاون مع الفِرَق الطبية.

ومن الناحية الأمنية، لا يقتصر تأثير الإيبولا على القطاع الصحي فحَسْبُ، بل يمتدّ إلى المشهد الأمني الأوسع، فانتشار المرض يؤدي إلى استنزاف موارد الدولة وتوجيه جزء من القدرات اللوجستية والأمنية لدعم جهود الاحتواء، في وقت تواجه فيه الحكومة الكونغولية تحدِّيَات متزايدة مرتبطة بتمرُّد حركة "إم 23" وتصاعُد أنشطة الجماعات المسلحة الأخرى، كما يمكن أن تؤدي القيود المفروضة على الحركة والتجارة المحلية إلى تفاقُم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما يخلق بيئة أكثر ملاءَمة للتجنيد داخل التنظيمات المسلحة.

وتكتسب الأزمة بُعداً إقليمياً مُهِمّاً نظراً للطبيعة العابرة للحدود للحركة السكانية في منطقة البحيرات العظمى، فإقليمَا إيتوري وكيفو يرتبطان بشبكات واسعة من التنقل التجاري والبشري مع أوغندا ورواندا وبوروندي وجنوب السودان، وفي ظلّ ضعف الرقابة الحدودية في بعض المناطق، تزداد المخاوف من انتقال العدوى عَبْر الحدود، الأمر الذي يدفع الدولَ المجاورةَ إلى تعزيز إجراءات المراقبة الصحية واتخاذ تدابير احترازية قد تُؤثّر في حركة التجارة والتنقل الإقليمي.

وتكشف التطوُّرات الحالية عن العلاقة الوثيقة بين الأمن والصحة العامة في شرق الكونغو. فكلما تدهورت البيئة الأمنية تراجعت فعّالية الاستجابة الصحية، وكلما طال أَمَد الأزمات الصحية ازدادت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تُغذّي بدورها عوامل عدم الاستقرار، ومن ثَمّ فإن احتواء الإيبولا لا يتطلب تدخُّلاً طبياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى تحسين الظروف الأمنية، وتعزيز حضور الدولة في المناطق الهشّة، وتوفير آليات حماية للفِرَق الإنسانية والطبية.

وعليه يبدو أن نجاح الكونغو في منع تحوُّل التفشِّي الحالي إلى أزمة واسعة النطاق سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها وشركائها الدوليين على التعامل مع التحدييْنِ الصحي والأمني بوصفهما ملفّاً واحداً مترابطاً، وليس باعتبارهما مسارين منفصلين؛ فاستمرار هشاشة إيتوري وكيفو قد يُحوِّل أيّ تفشٍّ محدود إلى أزمة ممتدة، بينما يُمثّل تحسين البيئة الأمنية أحد أهم شروط تعزيز فعالية الاستجابة الصحية وتقليص أخطار انتشار المرض داخل الكونغو وخارجها.

 



مواد ذات صلة
تصعيد جبهة نصرة الإسلام والمسلمين عملياتها في بوركينا فاسو
تهريب المعادن النفيسة يُغذّي الصراعات في وسط إفريقيا