مع تراجُع الديمقراطيات عموماً في العالم يركز إلان بيرمان Ilan Berman النائب الأول لرئيس مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في مقاله الذي نشره في مجلة نيوزويك على القارة الإفريقية، التي سبّب تأثُّرها بتراجُع التبني الغربي عموماً والأمريكي على وجه الخصوص للقيم الليبرالية فيها إلى سيطرة أكبر للصين وروسيا، الأمر الذي لا ينعكس على الحريات والديمقراطية في دول القارة فحسب، بل يهدد المصالح الأمريكية على مستوى المنطقة والعالم.
نص الترجمة
عندما انهار الاتحاد السوفياتي قبل ما يقرب من ربع قرن، ساد شعور بأن الديمقراطية الليبرالية انتصرت وبشكل نهائي على جميع أشكال الحكم الأخرى، ولكن منذ ذلك الحين شهد العالم تراجُعاً في مستوى الحرية، وخاصة على مدار العقود الماضية، وقد وثّقت منظمة فريدم هاوس Freedom House التي ترصد أوضاع الحوكمة والحرية على مستوى العالم هذا التراجع بدقة، حيث سجّلت انخفاضاً مستمراً في مستوى الديمقراطية عالمياً لمدة 20 عاماً متتالية.
يمكن العثور حالياً على أوضح الأمثلة على هذا التراجع، في آسيا حيث تحاول الصين إعادة صياغة القواعد الإقليمية بجرأة متزايدة، وفي أوروبا حيث أسهمت الأموال الروسية والساسة الغربيون الضعفاء في صعود الأحزاب غير الليبرالية هناك، لكن لا يوجد مكان قد يكون لهذا التراجُع تداعيات أكثر خطورة من إفريقيا، حيث يبدو أن القارة التي تضم 54 دولة تشهد ابتعاداً وتحوُّلاً واضحاً عن الديمقراطية، مما قد يؤدي إلى عواقب عميقة على الجغرافيا السياسية العالمية.
لقد تم التعبير بوضوح عن حجم هذه المشكلة في تقرير جديد صادر عن أفروباروميترAfrobarometer، وهي مؤسسة استطلاعات رأي تحظى باحترام واسع، وتركّز على قياس التوجهات في مختلف أنحاء القارة. ورغم أن التقرير يشير إلى أن الدعم للديمقراطية "لا يزال قوياً" في إفريقيا بشكل عامّ، إلا أنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على بعض الاتجاهات المقلقة للغاية؛ حيث إن أحد هذه الاتجاهات المقلقة وجود "تراجع لدعم الديمقراطية بمقدار 7%" في 30 دولة إفريقية خلال العقد الماضي، وفي بعض الدول مثل جنوب إفريقيا ومالي كان الانخفاض أكثر حدّة، حيث تراجع بمقدار 20% أو أكثر.
وبالمثل تراجع الدعم للانتخابات بشكل ملحوظ، وهي إحدى الركائز الأساسية للأنظمة الديمقراطية، حيث انخفض بمقدار 8% في 30 دولة إفريقية خلال الفترة الزمنية نفسها، وفي بعض الديمقراطيات الإفريقية الأكثر استقراراً، تراجعت نسبة الرضى السياسي والثقة في الأنظمة التعددية بشكل حادّ، ومن بين هذه الدول: بوتسوانا -40%، وموريشيوس -40%، وجنوب إفريقيا -35%.
يبدو أن دول القارة السمراء أصبحت أكثر تقبّّلاً للحكم العسكري والاستقرار الذي قد يوفره، حيث يوضح التقرير أن "أكثر من نصف الأفارقة (53% في 39 دولة) مستعدون الآن لتقبل استيلاء الجيش على السلطة إذا أساء القادة المنتخبون استخدامها لتحقيق مصالحهم الخاصة".
إن مثل هذه النتائج يجب أن تكون مقلقة للغاية لصُنّاع القرار في الغرب، وذلك لسببين رئيسيين:
1. لأن إفريقيا أصبحت بسرعة مركزاً عالمياً محورياً، فهي القارة التي تمتلك أكبر نسبة من السكان الشباب في العالم، حيث يبلغ متوسط أعمار سكانها حوالَيْ 19 عاماً فقط، كما أنها ستصبح قريباً من بين القارات الأكثر اكتظاظاً بالسكان، إذ يبلغ متوسط معدل الخصوبة فيها 4.05 من الأولاد لكل امرأة، وهو الأعلى عالمياً، ونتيجة لذلك تتوقع الأمم المتحدة أنه بحلول عام 2050 سيرتفع عدد سكان إفريقيا إلى ما يقرب من 2.5 مليار نسمة، ما يجعلهم أكثر من ربع سكان العالم، وهذا بدوره يجعل المسار السياسي للقارة أمراً بالغ الأهمية لمستقبل الحرية عالمياً.
2. إن تراجُع الدعم للديمقراطية في إفريقيا يفتح المجال أمام الفاعلين غير الليبراليين، فعلى سبيل المثال أمضت الصين العقد الماضي في بناء نفوذها في القارة وتعزيز اعتماد الدول الإفريقية عليها من خلال مبادرة الحزام والطريق، وقد موّلت بمليارات الدولارات مشاريع بِنْية تحتية عديدة، غير أنَّ الديون الناتجة عن ذلك أضعفت استقلالية الدول الإفريقية، مما جعلها تزداد خضوعاً للتوجُّهات السياسية الصينية، وكذلك روسيا، فعلى الرغم من انشغالها بحربها في أوكرانيا التي تدخل الآن عامها الرابع فإنها تكثّف جهودها لتوسيع نفوذها السياسي في إفريقيا، من خلال وكلاء مثل "فيلق إفريقيا" (الاسم الجديد لمجموعة فاغنر)، وكان لموسكو دور حاسم في دعم الأنظمة العسكرية والاستبدادية في القارة، ونتيجة لذلك أصبحت العديد من الحكومات الإفريقية تعتمد بشكل متزايد على دعم الكرملين، مع كل ما يترتب على ذلك من تَبِعات سياسية وإستراتيجية.
بالنسبة لواشنطن، فإن تراجع ثقة إفريقيا في الديمقراطية يُمثّل تحدياً كبيراً، ورغم ذلك كان تركيز السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا خلال الولاية الأولى لإدارة ترامب محدوداً بالمنافسة الإستراتيجية مع الصين وروسيا، إلى جانب مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة وإيران، كما أنه وعلى الرغم من الخطاب القوي الذي تبنته إدارة بايدن، إلا أنها لم تقدم الكثير من الإجراءات الفعّالة خلال فترة حكمها، ثم مع عودة فريق ترامب إلى البيت الأبيض، فإن إدارته الجديدة تميل بشكل متزايد إلى فكّ الارتباط على المستوى العالمي، بل وتُظهر استعداداً لتفكيك الأدوات الحكومية التي كانت تستخدمها الولايات المتحدة تقليدياً للتواصل مع إفريقيا، وبهذه السياسة فإنها تخاطر بتغذية الاتجاهات غير الليبرالية التي تنتشر بالفعل في القارة.
قد يبدو من المبالغة أن نتوقع وجود إستراتيجية أمريكية شاملة تجاه إفريقيا، بالنظر إلى التاريخ الطويل من الإهمال السياسي في دوائر صنع القرار الأمريكي، إلا أن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن إفريقيا قد أصبحت ساحة إستراتيجية حيوية، من الواجب على صانعي السياسات في واشنطن أن يدركوا هذه الحقيقة وأن يبادروا بالتفاعل معها بجدية أكبر، ليس فقط لضمان تعزيز مصالحهم، بل أيضاً للمساهمة في تشكيل مستقبلها السياسي، وإذا كانت موسكو وبكين قد فهمتا هذه الديناميكيات بالفعل، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هو: هل سنتمكن نحن من إدراك هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟
المصدر: نيوزويك
ترجمة: عبدالحميد فحام