تشهد ليبيا منذ عدة أشهر حالة من الهدوء الأمني النسبي مقارنة بمراحل سابقة من الصراع، إلا أن هذا الهدوء لا يعكس بالضرورة استقراراً دائماً بقدر ما يعبر عن توازُن هشّ بين القوى المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي، وفي ظلّ استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعثُّر المسار الانتخابي، وبقاء التشكيلات المسلحة خارج إطار مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، تتزايد المخاوف من احتمال عودة التوترات العسكرية خلال المرحلة المقبلة.
تتمثل إحدى أبرز عوامل الخطر في استمرار الانقسام بين المؤسسات السياسية والأمنية في شرق البلاد وغربها، فعلى الرغم من تراجُع احتمالات المواجهة المباشرة واسعة النطاق مقارنة بالسنوات الماضية، فإن غياب تسوية سياسية شاملة ما زال يترك العديد من القضايا الجوهرية دون حلّ، بما في ذلك مستقبل السلطة التنفيذية، وآليات توزيع الموارد، وشكل الترتيبات الأمنية والعسكرية.
ويؤدي هذا الوضع إلى بقاء حالة عدم الثقة بين الأطراف المختلفة، بما يجعل أيّ أزمة سياسية أو خلاف محلي قابلاً للتحول إلى مواجهة أمنية.
كما أن تعدُّد التشكيلات المسلحة يمثل أحد أبرز مصادر الهشاشة؛ فالكثير من هذه التشكيلات ما زالت تحتفظ بهياكلها العسكرية ومصادر تمويلها ونفوذها المحلي، رغم انخراط بعضها في مؤسسات الدولة أو تعاوُنها مع السلطات القائمة.
ويعني ذلك أن ميزان القوى الميداني لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تفاهمات مؤقتة ومصالح متغيرة، وليس على احتكار الدولة لاستخدام القوة، وفي حال تعرُّض هذه التفاهمات للاهتزاز، قد تعود الاشتباكات المحلية أو الصراعات بين المجموعات المسلحة للظهور مجدداً.
ويبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد المحركات المحتملة للتوتر، فليبيا تعتمد بصورة شِبه كاملة على عائدات النفط، ما يجعل إدارة الموارد وتوزيعها قضية شديدة الحساسية، وأيّ خلافات حول الإيرادات النفطية أو آليات الإنفاق العامّ قد تتحول إلى مصدر توتُّر بين القوى السياسية والعسكرية المختلفة، خصوصاً في ظلّ استمرار التنافس على النفوذ داخل المؤسسات الاقتصادية والمالية الرئيسية.
إلى جانب ذلك، لا تزال التدخلات الخارجية تشكل عاملاً مؤثراً في المشهد الليبي، فعلى الرغم من تراجُع حدّة الاستقطاب الدولي مقارنة بفترات سابقة، فإن عدداً من القوى الإقليمية والدولية ما زال يحتفظ بعلاقات أمنية وعسكرية مع أطراف محلية مختلفة.
وقد ساهم هذا الواقع في منع انهيار التوازنات القائمة، لكنه في الوقت نفسه جعل الاستقرار الليبي مرتبطاً بحسابات خارجية متغيرة، وأي تغيُّر في أولويات هذه القوى أو في طبيعة علاقاتها مع الأطراف الليبية قد ينعكس مباشرة على الوضع الأمني داخل البلاد.
كما تكتسب المناطق الجنوبية أهمية متزايدة في تقييم الأخطار المستقبلية! فالجنوب الليبي يمثل نقطة التقاء بين أزمات شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ويشهد نشاطاً مستمراً لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن تحرُّكات جماعات مسلحة عابرة للحدود.
ومع استمرار التدهور الأمني في أجزاء من الساحل الإفريقي، تزداد احتمالات انتقال بعض التهديدات إلى الداخل الليبي، سواء عبر تدفُّق السلاح أو تحركات العناصر المسلحة أو توسع الأنشطة غير المشروعة.
ويُضاف إلى ذلك أن تعثُّر العملية السياسية لفترة طويلة قد يؤدي إلى تآكُل الثقة الشعبية في المؤسسات القائمة وفي المسارات التفاوضية المدعومة دولياً.
ومع غياب أُفُق سياسي واضح، قد تلجأ بعض الأطراف إلى استخدام أدوات الضغط الأمني أو العسكري لتحسين مواقعها التفاوضية أو فرض وقائع جديدة على الأرض، وهو نمط سبق أن شهدته ليبيا في أكثر من مرحلة منذ عام 2011.
ومع ذلك، فإن احتمالات العودة إلى حرب شاملة تبقى أقل من احتمالات اندلاع توتُّرات محدودة أو مواجهات محلية متفرقة، فمعظم الأطراف الليبية تدرك الكلفة الباهظة لأيّ صراع واسع النطاق، كما أن القوى الخارجية الرئيسية لا تبدو راغبة في الانزلاق إلى مواجهة جديدة تهدد مصالحها واستثماراتها السياسية في البلاد، لكن هذا لا ينفي أن استمرار الجمود السياسي والانقسام المؤسسي وبقاء السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة سيجعل المشهد الليبي عرضة لهزات أمنية متكررة.
وعليه فإن الخطر الرئيسي الذي تواجهه ليبيا خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في عودة الحرب الشاملة بقدر ما يتمثل في استمرار حالة الاستقرار الهشّ، حيث يمكن لأيّ أزمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية أن تشعل جولة جديدة من التوترات المسلحة.
ومن ثَمّ يبقى تحقيق تقدُّم ملموس في مسار التسوية السياسية وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الشرط الأهم لتقليل أخطار الانزلاق نحو عدم الاستقرار مجدداً.




