تشهد منطقة غرب إفريقيا واحدة من أهم مراحل إعادة التشكل الإستراتيجي منذ عقود، وذلك في أعقاب التراجع الملحوظ لدور المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في إدارة الأزمات الأمنية والسياسية الإقليمية. فبعد سنوات من اعتبار المنظمة الإطار الرئيسي لمعالجة النزاعات والانقلابات العسكرية ومكافحة الإرهاب، تواجه المنطقة اليوم واقعاً جديداً يتسم بتعدُّد مراكز القوة الأمنية وظهور ترتيبات إقليمية بديلة قد تعيد رسم المشهد الأمني في غرب إفريقيا خلال السنوات المقبلة.
وجاءت نقطة التحول الأساسية مع سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ عام 2020، وما تبعها من خلافات متصاعدة بين الحكومات العسكرية الجديدة وقيادة إيكواس. فقد تبنت المنظمة سياسة تقوم على فرض العقوبات والضغط السياسي لإعادة الحكم المدني، بينما رأت السلطات الجديدة في دول الساحل أن هذه السياسات تمثل تدخُّلاً في شؤونها الداخلية ولا تعكس أولوياتها الأمنية المرتبطة بمكافحة الجماعات المسلحة.
وأدى هذا التباعد إلى انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من إيكواس وتأسيس "تحالف دول الساحل"، الذي تطور تدريجياً من إطار سياسي إلى مشروع تعاوُن أمني وعسكري متكامل، وبذلك انتقلت المنطقة من نموذج أمني إقليمي موحد نسبياً إلى نموذج أكثر انقساماً يقوم على وجود ترتيبات أمنية متوازية ومتنافسة في بعض الأحيان.
وتتمثل إحدى أبرز نتائج هذا التحول في تراجُع قدرة إيكواس على تنسيق الاستجابة الجماعية للتهديدات الأمنية العابرة للحدود؛ فالجماعات الجهادية وشبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالسلاح والهجرة غير النظامية لا تعترف بالحدود السياسية، الأمر الذي يجعل التنسيق الإقليمي عاملاً حاسماً في مواجهتها. ومع تراجُع مستويات التعاون بين بعض دول الساحل وبقية أعضاء إيكواس، أصبحت آليات تبادُل المعلومات الاستخبارية والتنسيق العملياتي أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق.
وفي المقابل، تسعى دول تحالف الساحل إلى بناء منظومة أمنية جديدة تستند إلى التعاون المباشر بين جيوشها وتطوير قوات مشتركة قادرة على تنفيذ عمليات عابرة للحدود، وترى هذه الدول أن النموذج الجديد يمنحها هامشاً أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرارات الأمنية، بعيداً عن الضغوط السياسية والإقليمية التي كانت تواجهها ضِمن أُطر إيكواس التقليدية.
لكن نجاح هذا النموذج لا يزال موضع نقاش بين الخبراء؛ فمن جهة، تمتلك دول التحالف دوافع قوية لتعزيز التعاون العسكري في مواجهة الجماعات المسلحة. ومن جهة أخرى، تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والقدرات اللوجستية والاستخبارية وضعف الموارد الاقتصادية، فضلاً عن الحاجة إلى بناء مؤسسات دائمة قادرة على إدارة عمليات أمنية مشتركة طويلة الأمد.
وتبرز كذلك مخاوف من أن يؤدي الانقسام الحالي إلى نشوء فراغات أمنية تستفيد منها الجماعات المتطرفة، فكلما تراجعت فعالية التنسيق الإقليمي، ازدادت قدرة هذه الجماعات على استغلال المناطق الحدودية والتحرك بين الدول المختلفة، كما أن تعدُّد الأُطر الأمنية قد يؤدي إلى ازدواجية الجهود وتشتت الموارد في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى استجابة موحدة للتهديدات المتصاعدة.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن إيكواس ستفقد دورها بالكامل في المدى المنظور، فما تزال المنظمة تضم أكبر اقتصادات غرب إفريقيا، وفي مقدمتها نيجيريا وساحل العاج وغانا والسنغال، كما تحتفظ بشبكات تعاوُن أمني وسياسي واسعة، إلا أن دورها المستقبلي قد يصبح مختلفاً عما كان عليه خلال العقود الماضية، مع انتقالها من موقع الفاعل الأمني المهيمن إلى أحد الأطراف ضِمن منظومة إقليمية أكثر تعدُّدية.
وعليه، فإن جوهر التحول الجاري لا يتمثل فقط في تراجُع نفوذ إيكواس، بل في إعادة هندسة النظام الأمني لغرب إفريقيا بأكمله، فالمشهد الإقليمي يتجه نحو مرحلة جديدة تتعايش فيها مؤسسات وتحالُفات أمنية متعددة، تتنافس أحياناً وتتعاون أحياناً أخرى، وسيحدد نجاح هذه الترتيبات الجديدة مدى قدرة المنطقة على احتواء التهديدات الإرهابية ومنع توسُّع عدم الاستقرار خلال السنوات القادمة.




